رابط الحلقة الأولى
رابط الحلقة الثانية
قبل البدء في موضوع الحلقة الثالثة والأخيرة بودي أن أدعو القراء لقراءة المقال المنشور في موقع عركوكباي للسيد عثمان نصرالدين بعنوان(تلويح إثيوبيا بشن الحرب على إرتريا ما هي إلا محاولة لتقويض مشروع الوطن الإرتري الواحد) وهو مقال تضمن الكثير من الإتهامات والإساءات ، أما توقيته أشبه بتوقيتات أعمال الطابور الخامس وأقل ما يمكن أن يقال عنه حق أريد به باطل ، ونوعية هذه الكتابات قد إنقطعت لفترة عن المواقع الأرترية في الأنترنيت خاصة وأن الأجواء في هذه الفترة صحية للغاية والمعنويات مرتفعة والكل يعمل بكامل قوته ، وغداً عندما تتزايد المساحة التي تغطيها مثل هذه الكتابات ونضطر لتعريتها نتهم بأننا هواة مهاترات وأننا نستغل المساحة المتاحة للشعب الأرتري في الأنترنيت في ما لا يفيد قضيته ، المصيبة أن الذين إحتفوا بالمقال وأفردوا له مساحة هم من كانوا بالأمس يتباكون على المساحة التي تستهلكها المهاترات وشنوا حملة على المواقع الأرترية وإتهموها بعدم المهنية وعدم إمتلاك محرريها للمقدرات التحريرية …الخ ، كما أنهم عقدوا الندوات ليقولوا ذلك بطريقة مهذبة و غير مهذبة أحياناً أخرى .
العوامل والأسباب الداخلية
تحدثنا في الحلقة السابقة عن العوامل والأسباب الخارجية تحت أربعة عناوين هي دول العمق الإستراتيجي ومواقفها ـ الأثر السلبي لأحداث الحادي عشر من سبتمبر2001م ـ العلاقة الأرترية السودانية ـ التواجد الأرتري المعارض في الأراضي الأثيوبية ، وفي هذه الحلقة سنتحدث عن العوامل والأسباب الداخلية ضمن المحاور الأتية :
1. القوالب الجاهزة :
إن إستيراد قوالب نضالية وفكرية جاهزة يعتبر في الغالب تكرار لنكبات ومآسي سابقة مرت بها شعوب أخرى ، وبالرغم من تشابه القضايا في أغلب المجتمعات إلا أنه ليس بالضرورة ما يصلح لغيرنا يجب أن يصلح لنا ، وليس من الحكمة في شئ التعامل مع القضايا الإرترية بوسائل وأفكار شعوب أخرى لا تناسب مشكلاتنا وبالتالي لا تناسب الخصم السياسي الذي نواجهه ، وهذا هو ما درجت معظم تنظيماتنا على إستيراده وأنا هنا لا أستثني أحد من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين ، والأمثلة كثيرة ولا يمكن إحصاؤها بداية بتجربة المناطق العسكرية التي لا زلنا نعاني من آثارها ، وتجربة حزب العمل الثوري التي وإن إنتهت بصورتها الرسمية إلا أننا لا زلنا نعاني من أرتال الكوادر التي تربت في ظل الفكر الشيوعي صحيح أنها اليوم لا تنادي بصراع الطبقات ودكتاتورية العمال إلا أن تلك التربية لازالت آثارها واضحة ، فكثيراً ما تكون تلك الكوادر منفصلة عن الواقع الأرتري البسيط ومتعالية عليه ، والبعض منها يبذل جهود مضنية في البحث عن حلول معلبة هي أشبه بحلول حزب العمل الذي عندما أصطدم بالتركيبة الرعوية والزراعية للشعب الأرتري ظل يحاول تطويع الواقع الأرتري ليناسب تلك الأفكار المستوردة ، وهكذا الأمر في تجربة حزب البعث العربي الاشتراكي الذي كان على رواده الأرتريين في البداية أن يقنعوا الشعب الأرتري أنه شعب عربي صميم ثم الإنتقال بهم لمرحلة البعث العربي ، ثم التجارب الإسلامية التي تقسمت بين قالب الأخوان المسلمين وقالب السلفية ، ورغم اختلافهما تساهلاً وتشدداً ، إلا أن كلا القالبين بدلاً أن يطوعا نفسيهما ليناسبا الواقع الأرتري بذل روادهما الجهد الكبير في تطويع الواقع الأرتري إلى أن إتضح لهما إستحالت ذلك ليصلا إلى النتيجة التي كان من المفترض أن يبدءا منها وهي تطويع المنهج ليناسب الواقع الأرتري وليس العكس ومن يعرف مجموعة السلفيين الأرتريين المتشددين في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات لا يصدق أن نفس تلك المجموعة هي قيادة وكوادر حركة الإصلاح الإسلامي الأرتري حالياً التي أصبحت أكثر وسطية وفاعلية في الواقع الأرتري بعد أن ناطحت الصخر طويلاً ، وموضع القالب الجاهز ينسحب أيضاً على الفيدرالية فرغم جماليتها ونجاحاتها الباهرة في كثير من دول العالم وحوجتنا لها إلا أننا يجب أن ننطلق من دراسة الواقع الأرتري ، ما أوردناه من أمثلة تخص القوالب الفكرية والعقائدية أما الأمثلة على النظم المتبعة في تنظيم العلاقات كالديمقراطية التي أثبتت نجاعتها عند شعوب العالم المتحضر وعندما طبقها الشعب الأرتري في ظل خليط من الواقع الطائفي والمناطقي والقبلي كانت وبالاً علينا ، ولو لم نركن للنسخة الجاهزة التي جلبت لنا من الخارج لكان بإمكاننا إختراع نسخة تناسب طبيعة شعبنا وثقافته ودرجة وعيه.
ما أرمي إليه هو أن يكون الوقع الأرتري هو نقطة البداية وليس القالب الجاهز ، كما أن هذه ليست دعوة لتجاوز ما يدور في العالم من تغيرات وتفاعلات فكرية وسياسية وإقتصادية ، إنما هي دعوة لاستنباط حلول مشكلاتنا من مشكلاتنا نفسها مستنيرين بتجارب الشعوب الاخرى .
2. التركيبة الاجتماعية وانعكاسها على التنظيمات :
إذا كنت في الأساس أنت منضم لأحد تنظيمات المعارضة ، قل لي أي الأديان الأرترية تعتنق و من أي منطقة أو قبيلة أنت أقول لك لأي تنظيمات المعارضة تنتمي وسأنجح في تحديد انتماءك التنظيمي بنسبة تصل لـ 80% !!! لقد تشكلت اغلب التنظيمات الأرترية من فئات محدودة من شرائح الشعب الأرتري كثيراً ما تمثلت في قبيلة أو قبيلتين أو إقليم أو إقليمن أو تشكلت من فئات من المثقفين و السياسيين في أحسن الأحوال، لذلك لم تمثل نموذجاً متكاملاً يشمل اغلب طوائف و قبائل وأقاليم أرتريا و قطاعات وفئات الشعب الارتري ، بالرغم من أن معظم هذه التنظيمات عبرت بصدق عن طموحات وآمال وتطلعات الشعب الأرتري في برامجها وأهدافها المكتوبة ، إلا أن تركيبتها الإجتماعية من فئات محدودة قد أثرت سلباً على الإنطباع المفترض أن تعطيه هذه الأهداف والبرامج الشئ الذي نتج عنه إحجام الفئات التي انطبع التنظيم بطابعها عن الإلتحاق به خشيت أن توصف بنعوت هي بعيدة عنها ، وإمتناع الفئات الأخرى عن الإلتحاق بهذا التنظيم أو ذاك لأنه حسب مكوناته يمثل فئات إجتماعية أخرى وقد إنعكس ذلك سلباً على مسيرة التنظيمات تنوعاً وكماً ، أما التنظيمات التي تكونت من فئات محددة من المثقفين أو السياسين إنعكس ذلك سلباً على مسيرة تلك التنظيمات أيضاً تنوعاً وكماً ، كما أثر ذلك بطبيعة الحال في طبيعة الأهداف المعلنة التي حددتها التنظيمات لنفسها ، فغابت من القائمة أهداف هامة ، وجانبت الواقعية أهداف أخرى . وذلك بسبب غياب شرائح ذات تطلعات تختلف عن تطلعات القطاعات والفئات التي أسست التنظيمات ، بل كان إيجاد برامج نضالية تناسب الطبقة الواعية أو المثقفة وفي نفس الوقت تناسب القطاعات الواسعة أمراً في حاجة إلى قيادة واعية ناضجة حكيمة .
3. تشابه لدرجة التطابق مع تعدد محير :
خطر لي سؤال أعتقد أن الإجابة عليه ستسهل على القارئ فهم ما قصدت الحديث عنه، والسؤال هو في ظل وجود الكثير من التنظيمات ما هي الأسباب والمبررات التي تكون مستساغة لتكوين تنظيم أو حزب سياسي ؟ أعتقد أن تكوين تنظيم جديد سيكون مبرراً إذا توافرت إحدى النقاط التالية :
-
تباين الخلفيات الفكرية والعقائدية مع هذه التنظيمات .
-
الإختلاف مع هذه التنظيمات في النظرة إلى قضية إرتريا ومستقبلها .
-
الإختلاف مع هذه التنظيمات في طبيعة الخطاب السياسي والثقافي .
-
الإختلاف الواضح مع هذه التنظيمات في البرامج والأساليب والوسائل العملية التي تتبناها.