تقديم
نُشر هذا الحوار مع محمد طه توكل في أواتي قبل نحو ثلاثة وعشرين عامًا، في مرحلة كانت تشهد تحولات سياسية متسارعة في إريتريا ومنطقة القرن الإفريقي.
ويعرض الحوار رواية محمد طه توكل لتجربته الشخصية ومسيرته السياسية والإعلامية، كما يعكس طبيعة النقاشات والقضايا التي كانت مطروحة آنذاك داخل الأوساط الإريترية والإقليمية.
حرصنا في إعادة نشر هذا الحوار على المحافظة على النص الأصلي قدر الإمكان، مع إجراء تنقيحات لغوية طفيفة لتسهيل القراءة وتوحيد بعض الأسماء والمصطلحات. أما المضمون وتسلسل الأسئلة والأجوبة والآراء الواردة فيه فقد بقيت كما نُشرت في الأصل.
يُستحسن قراءة هذا الحوار بوصفه وثيقة تاريخية تعبّر عن مرحلة معينة. في مرحلة أعقبت الحرب الإريترية الإثيوبية، وفي ظل بروز قوى المعارضة الإريترية في المنفى، واستمرار التحولات السياسية في منطقة القرن الإفريقي.
وترد في الحوار إشارات إلى شخصيات وأحداث وتنظيمات كانت معروفة لدى القارئ الإريتري في ذلك الوقت، وقد أُضيفت ملاحظات تعريفية موجزة حيث دعت الحاجة إلى ذلك، دون ا
لمساس بالنص الأصلي.
1. سأدخل مباشرة في الموضوع؛ من أنت؟
Donate
أنا محمد طه محمد نور توكل.
2. هذا فقط ؟ ماذا أيضًا؟
لقد سألتني من أنا، وأعتقد أنني انتهيت من الإجابة على هذا السؤال…
3. حسنًا… حدثنا عن نفسك بمزيد من التفصيل، خذنا إلى بدايات حياتك… حتى…؟
حسنًا. وُلدت في حرقيقو عام 1961، وكان والدي إمام المسجد المحلي ويُدرِّس القرآن لأهل المنطقة. درست المرحلة الابتدائية في حرقيقو، وفي عام 1975، بعد أن أُحرقت حرقيقو بالكامل على يد قوات الاحتلال الإثيوبي، انضممت إلى جبهة التحرير الشعبية [PLF، وهي إحدى المجموعات التي انشقت عن جبهة التحرير الإرترية. ثم انقسمت الجبهة الشعبية نفسها إلى جناحين، وأصبح أحدهما لاحقًا الجبهة الشعبية لتحرير إرتريا ىPLF التي تحولت فيما بعد إلى الحزب الحاكم PFJ]. تلقيت تدريبًا عسكريًا قصيرًا، ثم أُلحقت بوحدة تحت قيادة الشهيد علي إبراهيم (الذي استشهد في مصوع). بقيت تحت قيادته حتى معركة نقفة… وكانت تلك أول تجربة قتالية لي عام 1976. أُصبت في تلك المعركة، وبعدها نُقلت إلى وحدة الإمدادات التابعة للتنظيم.
4. كان ذلك قبل انقسام الجبهة الشعبية إلى جناح يقيادة الراحل عثمان سبي وجناح عسكري يقوده إسياس [أفورقي]… مع أي مجموعة انتهيت؟
اكتشفت أن هناك ارتباكًا بين الكوادر القيادية حول التطورات الجارية… وكان ذلك بعد مؤتمر الخرطوم للسلام بين جبهة التحرير الإرترية والجبهة الشعبية. وفي تلك الفترة… أو قبلها بقليل… شاهدت جثثًا مقطوعة الرؤوس للحاج إدريس (شقيق حسن أحمد أمير) وآخرين تعرضوا لكمين من الجيش الإثيوبي أثناء توجههم إلى موقع حراسة. كان الجيش الإثيوبي يقطع رؤوس من يقتلهم ويحملها معه لإثبات وقوع العملية. لقد تأثرت نفسيًا بذلك الحادث تأثرًا شديدًا… وكنت أريد المغادرة… كنت أريد الرحيل بأي طريقة. لكن بعد رفض قادة الميدان لاتفاق الخرطوم، عقدوا مؤتمر شمال البحر. وصادف أنني رافقت حسن أحمد أمير إلى ذلك المؤتمر [المؤتمر الذي أصبح فيه الانقسام داخل الجبهة الشعبية رسميًا]. وأثناء وجودي هناك، سمعت علي إبراهيم ومحمد أحمد رمضان وإبراهيم تسعيدوي يتحدثون عن ترك مجموعة إسياس… وتعاطفت معهم في داخلي. وبعد أن سنحت لي فرصة للحديث معهم على انفراد، طلبت الانضمام إليهم عندما يغادرون المعسكر. وأخبرتهم أنني سمعت حديثهم. وبمجرد أن قلت لهم ذلك، أخذوا الأمر بجدية كبيرة. كما تعلم… كان عليّ إما أن أرافقهم أو يتم إسكاتي بطريقة ما، لأنني كنت سأصبح خطرًا على سلامتهم. فوافقوا على ضمي إلى مجموعتهم.
5. ثم غادرتم، أنتم الأربعة؟
لا. كان هناك آخرون يقفون إلى جانبهم. عندما بدأنا الرحلة كنا خمسةً وعشرين شخصًا، وخلال الطريق أصبحنا خمسةً وأربعين. كان الارتباك بين المقاتلين كبيرًا جدًا. سافرنا ستة عشر يومًا حتى وصلنا إلى “أليت” [مدرسة الكوادر السياسية التابعة لجبهة التحرير الإرترية]، وهناك التقينا بإبراهيم توتيل، كما اكتشفنا أن إدريس محمد علي، المغني المعروف، كان محتجزًا هناك. كانت جبهة التحرير تحتجز الذين يتركون الجبهة الشعبية.
6. هل احتُجزتم أنتم أيضًا؟
لم نُحتجز، لكن توتيل لم يكن متحمسًا لتركنا نغادر. ونحن أيضًا لم نكن مستعدين للاستسلام بسهولة. كنا مسلحين جيدًا وأقوى من الكوادر غير المسلحة الموجودة في أليت.
ثم جاء محمود حسب [أحد قادة جبهة التحرير الذي اغتيل في كسلا أواخر الثمانينيات]. ولحسن الحظ لعب الراحل محمود حسب دورًا إيجابيًا، وأقنع القادة الآخرين، بمن فيهم توتيل، بأن يتركونا نذهب إلى أي مكان نريده.
7. وإلى أين ذهبتم؟
اتجهنا غربًا وانتهى بنا المطاف في منطقة حشنيت. وهناك التقينا بآخرين كانوا قد تركوا مؤتمر شمال البحر.بوفي حشنيت أسسنا “الجبهة الشعبية للتحرير – المكتب الخارجي”. كما انضم إلينا العديد من المقاتلين القادمين من أماكن مختلفة.
8. هذه هي الجبهة الشعبية أو الجبهة الشعبية الثانية (PLFء2)، وإلى أين ذهبت بعد ذلك؟
كانت الجبهة الشعبية بقيادة عثمان سبي. بعد المؤتمر تم تعييني في كتيبة تحت قيادة الشهيد حسن أردن، وبقيت معه لفترة ككادر قيادي. وبعد ذلك أُرسلت إلى العراق.
9. ولماذا أُرسلت إلى العراق؟
كنت قد أُصبت في معركة نقفة، وكانت هناك شظية قذيفة هاون في ساقي تسبب لي الألم. وعندما سنحت الفرصة، سُمح لي بالذهاب إلى العراق للعلاج.
10. وماذا حدث في العراق؟
سُجنت.
11. ماذا؟ لماذا؟
عندما كنت مسافرًا إلى العراق… كان اتحاد الطلاب…
12ء حسنًا… سُجنت. لماذا؟
تمهل قليلًا… عندما كنت متجهًا إلى العراق مررت بالقاهرة. وفي ذلك الوقت كانت الجبهة الشعبية تمر بانقسام جديد. فقد انشقت مجموعة بقيادة عثمان عجيب عن جناح عثمان سبي الذي كنت عضوًا فيه. كانت مجموعة عجيب تميل إلى الفكر البعثي، وكان العراقيون يدعمونها. وفي القاهرة التقيت بعثمان علي شيخ، وكان آنذاك رئيس اتحاد الطلاب، فأعطاني رسائل لأحملها إلى العراق لبعض الأشخاص. كان معارضًا لتحركات عثمان عجيب. وأنا لم أكن أعرف محتوى الرسائل، لكن اتضح أنه كان ضد البعثيين، ولذلك اشتبه العراقيون بي واعتبروني جزءًا مما كانوا يسمونه بالحركة المعادية للبعث أو “الشيوعيين”. اكتشفوا أنني أحمل رسائل من خصوم مجموعة عجيب، وربطوا الأمور بطريقة غريبة. ظنوا أنني أقوم بمهمة مرتبطة بالصراع داخل الجبهة الشعبية بين البعثيين وغيرهم. ولهذا السبب سُجنت.
13. لكنك لم تكن طالبًا؟
سأصل إلى ذلك. بعد شهر، تدخل عثمان سبي وأبو بكر محمد آدم لدى السلطات، فأُطلق سراحي. لكن بعد فترة أصبح عمر سراج [الذي التقى لاحقًا مع منغستو هيلا مريام ضمن مجموعة سعت لإقامة حكم ذاتي في غرب إرتريا] يلاحقني باستمرار. كان ممثل الجبهة الشعبية في العراق، وكان يضغط عليّ للعودة إلى الميدان. رفضت، وانضممت إلى اتحاد الطلاب في بغداد.
14. لكنك لم تكن طالبًا؟
التحقت بالمرحلة المتوسطة. أما عمر سراج، الذي كان يضغط عليّ للمغادرة، فلم يكن راغبًا في معارضة مجموعة عجيب أو دعم عثمان سبي. كان يريد فقط أن يُترك وشأنه. وقد التحق هو نفسه بجامعة المستنصرية في بغداد لمواصلة دراسته، وسلم مكتب الجبهة الشعبية إلى عثمان عجيب وعلي برحتو. المشكلة أن العراقيين كانوا يقفون بوضوح إلى جانب مجموعة عجيب.
15. وما كان موقفك من الانقسام؟ هل بقي كما هو؟
لم أكن متحمسًا كثيرًا للصراع. كنت أريد فقط مواصلة تعليمي. وأثناء الخلاف بين عجيب وسبي، استدعاني عثمان سبي وطلب مني استلام بعض الوثائق المهمة من مكتب معين في بغداد، وحذرني من أن تعلم مجموعة عجيب بالأمر. وكلف رجلًا عراقيًا يثق به للتعاون معي. التقيت بذلك العراقي، وحصلنا على المفاتيح، وذهبنا سرًا إلى المكتب وأخذنا الوثائق المطلوبة. ثم طُلب مني نقلها إلى سوريا، وقد فعلت ذلك.
16. وهناك بدأت الدراسة في سوريا؟
ليس بعد… لم أكن محظوظًا إلى هذا الحد. فقد تم تكليفي بالعمل في مكتب الجبهة الشعبية في أبوظبي نائبًا لممثل التنظيم هناك.
17. إذن لم تذهب إلى الدراسة؟
كنت أريد الدراسة في سوريا، لكن طُلب مني الانتقال إلى مهمة جديدة فوافقت. وفي أبوظبي بدأت الدراسة الليلية فورًا.
18. تقول إنك كنت تخطط للدراسة لكنك انتهيت في العمل السياسي، كيف حدث ذلك؟
إنه القدر… القدر. عندما كنت في أبوظبي وقع حادث جعلني أكثر إصرارًا على متابعة التعليم. كنت وحدي في المكتب، بينما كان جميع أعضاء البعثة خارج أبوظبي. لم تكن لدي أي خبرة دبلوماسية. وفي تلك الفترة اغتيل عثمان عجيب في الخرطوم. تدفق الصحفيون إلى مكتب الجبهة الشعبية يريدون معرفة ما حدث، ولم أكن أعرف ماذا أفعل أو ماذا أقول. ثم علمت من عثمان سبي أن بعض الناس كانوا يوجهون أصابع الاتهام إلى الجبهة الشعبية بالوقوف وراء اغتيال عثمان عجيب.
19. هل اغتالت الجبهة الشعبية عثمان عجيب؟
هذا كلام فارغ ووهم لا أساس له. بالطبع لا.وقد طُلب مني إصدار بيان ينفي الاتهام…
20. ومن الذي طلب منك إصدار البيان؟
كان الصحفيون يلاحقونني بالأسئلة، فاتصلت بعثمان سبي وسألته ماذا أفعل. فقال لي: أصدر بيانًا. لكنني لم أكن أعرف كيف أكتب بيانًا أصلًا! كنت ما أزال في السنة الأولى من المرحلة الثانوية الليلية. إلا أن محمد أبو القاسم، وهو صديق سوداني لإرتريا، أنقذ الموقف. كان مستشارًا في وزارة خارجية الإمارات، وساعدني في إعداد البيان. فأصدرت بيانًا بشأن اغتيال عثمان عجيب يدين العملية وينفي الاتهامات. وتناقلت وسائل الإعلام البيان، فلفت ذلك انتباه الصحافة إليّ. وأعتقد أن ذلك كان قدرًا أيضًا… لقد دفعتني الأقدار نحو العمل الصحفي
21. ماذا حدث بعد ذلك؟
غادرت إلى قطر، وهناك بدأت أميل أكثر إلى العمل السياسي.
22. هل تم نقلك إلى مكتب الجبهة الشعبية في قطر؟
لا. ذهبت إلى هناك لسببين: كنت أريد أن أواصل دراستي، وفي الوقت نفسه كانت لدي ظروف عائلية، وكنت أريد مساعدة أسرتي. لذلك كان عليّ أن أعمل أيضًا. وعندما وصلت إلى قطر، كانت السلطات القطرية تجند أفرادًا للشرطة. وكما تعلم، كانت دول الخليج في ذلك الوقت تستعين بأجانب للعمل في أجهزتها الشرطية. أردت التقديم، لكن لم يكن لديّ شهادة ثانوية، وكانت شرطًا أساسيًا للقبول. اعتمدت على عثمان سبي، ومن خلال مساعدته تم قبولي في أكاديمية الشرطة.
وكان العقيد علي بن سعيد الكعبي، وهو صديق عزيز لإرتريا، سببًا رئيسيًا في تسهيل قبولي. ولولاه لما أُتيحت لي فرصة دخول امتحان القبول أصلًا. تقدمت للامتحان ونجحت، وتم قبولي وقضيت ستة أشهر في الأكاديمية.
23. هل أعجبك الأمر؟ هل أحببت مهنة رجل الشرطة؟
كان عليّ أن أعيش. وأعرف إلى ماذا تلمح… أسوأ التعليقات كانت تأتيني من بعض الإرتريين أنفسهم. كنت أتعرض لضغوط نفسية من أبناء بلدي. كانوا يسخرون مني ويستفزونني. كان بعضهم يقول لي: “بعد الاستقلال سنعينك حارسًا في سفارة إريترية!” [يضحك طويلًا]. لكن على أي حال، كنت محظوظًا، فقد نجوت من كثير من السخرية والاستهزاء من إخوتي الإرتريين.
وفي النهاية، لم أرتدِ زي الشرطة أبدًا.
24. أكملت التدريب في الأكاديمية، ثم ماذا حدث؟
تخرجت بامتياز. كنت من بين أفضل عشرة طلاب من حيث الدرجات، وبدأت العمل مباشرة. تم تعييني تحت إشراف العقيد علي في إدارة شؤون حركات التحرر، أي القضايا المتعلقة بالفلسطينيين والأفغان والإرتريين وغيرهم. وكان جزء من عملي يتمثل في قراءة المواد المطبوعة: المجلات والصحف والكتب وكل المطبوعات الداخلة إلى قطر.
25. رقابة؟
إلى حد ما… لكن هنا حصلت على أهم فرصة في حياتي: أن أقرأ قدر ما أريد وأن أتقاضى أجرًا مقابل ذلك. واصلت كذلك دراستي بالمراسلة في جامعة بيروت، وبعد سنوات طويلة حصلت أخيرًا على دبلوم الصحافة عام 1992. وأدين بالكثير للقطريين؛ فهم من أكثر الناس الذين أشعر بالامتنان لهم. وخلال تلك الفترة أسست شبكة واسعة من العلاقات في عالم الإعلام والسياسة.
26. هل كانت تلك الفترة التي بدأت فيها الكتابة؟
بدأت الكتابة عام 1983 في صحيفتي “الراية” و”العرب”، وكذلك في مجلة “الأحد”، وكلها مطبوعات قطرية. كنت أكتب باسم مستعار هو “أبو زهرة”، وواصلت ذلك لفترة طويلة…
27. ولماذا الاسم المستعار؟
لأن موظفي الحكومة لم يكن مسموحًا لهم بالنشر بأسمائهم الحقيقية. وفي عام 1989 بدأت أكتب باسمي الحقيقي، بعد أن حصلت على رخصة صحفية. كتبت لصحيفة “القبس” الصادرة في لندن، وفي تلك الفترة أيضًا أجريت مقابلة مع الرئيس الصومالي زياد بري. لقد أفادتني الكتابة الصحفية كثيرًا، وفتحت لي أبواب الإعلام والعلاقات الدبلوماسية.
28. هل بدأت الكتابة ونُشرت لك المواد بهذه السهولة؟
لا، لم يكن الأمر سهلًا إلى هذا الحد. لكنني عملت بجد شديد. كما أنني كنت محظوظًا بأشخاص ساعدوني كثيرًا. هناك ثلاثة أشخاص أذكرهم دائمًا بكل امتنان: ناصر محمد عثمان، القطري الذي كان رئيس تحرير صحيفة الراية آنذاك. ومحمد أحمد عوض، الصحفي السوداني والصديق العزيز.
وحميد عز الدين، الصديق المصري الذي كان رئيس تحرير صحيفة الشرق. وقد كلّفني بمتابعة أخبار القرن الإفريقي. تعلم، كانت هناك منافسة شريفة بين الصحفيين السودانيين والمصريين حول من ينشر الخبر أولًا. وقد دعموا اسمي داخل صحيفة الشرق، وبذلوا جهدًا كبيرًا لمساعدتي، فكانوا يحررون المواد التي أكتبها، ويصححونها، ويعلمونني فنون الصحافة وإعداد التقارير. وأنا مدين لهم ولغيرهم بالكثير مما تعلمته. وعندما أصبحت مسؤولًا عن ملف القرن الإفريقي، أجريت عدة مقابلات مع قادة الجبهة الشعبية لتحرير إرتريا آنذاك.
29. ما أهم سبق صحفي حققته في تلك الفترة؟
على الجانب الإرتري، أعتقد أن أهم سبق كان قصة “مجموعة الخمسة”. أتذكر الذين ذهبوا للقاء منغستو من أجل إقامة منطقة حكم ذاتي في السهول الغربية “القولامة”؟ أتذكر عندما ذهبوا إلى أسمرا ثم إلى أديس أبابا والتقوا بمنغستو؟ وصلني الخبر. وكان يوم أحد في إثيوبيا، وكنت أعلم أنهم لن ينشروه بسبب عطلة نهاية الأسبوع. فسارعت إلى نشر الخبر في قطر، ثم اقتبسته صحف عديدة، وأصبح حدثًا مهمًا في المنطقة. أما السبق الثاني فكان في مايو 1991 عندما ذهب إسياس وملس إلى لندن لحضور اجتماع شارك فيه كوهين والجنرال الفاتح عروة، الذي كان رئيس جهاز الأمن السوداني آنذاك، وهو اليوم ممثل السودان لدى الأمم المتحدة. وصلتني أخبار الاجتماع مباشرة عبر الهاتف من هناك، ونشرتها صحيفة الشرق باعتبارها خبرًا خاصًا. كنت أعرف أشخاصًا في الجبهة الشعبية لتحرير إرتريا والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي وفي أنحاء المنطقة، وكانوا يطلعونني على التطورات.
30. إذن كانت لديك أيضًا علاقات مع الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي؟
كنت أعرفهم منذ وقت طويل. عرفت أشخاصًا في الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، وكان يصلني منهم كثير من الأخبار قبل غيري، فأقوم بنشرها. وكان ذلك مفيدًا لهم أيضًا، لأنه ساعد على التعريف بنشاطاتهم في منطقة الشرق الأوسط.وفي عام 1990 سافرت إلى تيغراي وأعددت تحقيقًا صحفيًا نُشر في عدد من صحف المنطقة. وقدمت تيغراي والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي إلى القارئ العربي. وعلى أي حال، تطورت علاقاتي معهم منذ ذلك الوقت. بعض الناس لا يعرفون إلا الانتقاد، لكن الحقيقة أن علاقتي مع الجبهة بدأت عبر الراحل محمد جمال عبد الرازق، الذي توفي قبل أشهر قليلة. وكان دبلوماسيًا إثيوبيًا يعمل في سفارة إثيوبيا بالقاهرة. ومن خلاله تعرفت على محمد جمال عبد الرازق، ممثل الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي في أبوظبي. وهو بدوره عرّفني على معظم قادة الجبهة، وكثير منهم يشغلون اليوم مناصب رفيعة في الحكومة الإثيوبية. وفي عام 1991 كنت أُعتبر مصدرًا مهمًا للمعلومات المتعلقة بالقرن الإفريقي.
وقد عملت بجد من أجل ذلك، وبنيت شبكة واسعة من الأصدقاء والعلاقات، وهو أمر أساسي في العمل الصحفي. كما أنني لم أكن أواجه منافسة حقيقية في مجال تغطية أخبار القرن الإفريقي آنذاك.
31. وماذا عن علاقتك بالجبهة الشعبية لتحرير إرتريا أو بإساياس أفورقي ؟
في عام 1992 ذهبت إلى إرتريا مرافقًا لشحنة مساعدات غذائية وطبية تزن 27 طنًا قدمتها الحكومة القطرية لإرتريا. وكان هناك من داخل الحكومة الإريترية من لم يكن مرتاحًا لأن المساعدات لم تُسلَّم إلى محمد عمر محمود، السفير الإرتري غير المقيم لدى قطر، وإنما وصلت عن طريقي. كما حملت معي منحًا تدريبية لخمسة عشر إرتريًا للتدرب في التلفزيون ووكالة الأنباء القطرية، مقدمة من وزير الإعلام القطري محمد الكواري، وهو صديق عزيز لإرتريا. كنت أرغب في الاستقرار في بلدي وافتتاح مكتب للأبحاث والإعلام، وكان هذا هو مشروعي. وعندما التقيت بإسياس، طلب مني أن أعمل مستشارًا إعلاميًا في مكتبه. كانت تلك فترة كانت فيها علاقة الدكتور دحلي بالحكومة متوترة، وكنت أقوم بجهود وساطة. لكنني اعتذرت لإسياس وأخبرته أنني أخطط لافتتاح مكتبي الخاص. والغريب أنه عندما عدت إلى قطر فوجئت بانتشار شائعات تقول إن الحكومة الإريترية عرضت عليّ وظيفة رسمية وأنني سأستقيل من عملي. ولا أعرف من سرّب الخبر، لكنني أشتبه في أن السفير محمد عمر محمود كان وراء ذلك. وفي عام 1994 استقلت من عملي في قطر. لكن عندما وصلت إلى إرتريا وجدت أن المسؤولين الذين كانوا يستقبلونني بحرارة في السابق أصبحوا يتعاملون معي ببرود شديد. وعندما طلبت ترخيصًا لافتتاح مركز أبحاث، لم يساعدني أحد. كان الجميع يتجنبون طلبي. ذهبت إلى بادوري، فأعطاني ورقة أشبه بالتفويض وقال لي إنها رخصتي الصحفية. لكنني كنت أملك أصلًا رخصة صحفية قطرية. لم يكن هذا ما أريده. كنت أريد ترخيصًا تجاريًا رسميًا، لا مجرد تصريح للعمل كمراسل.
وبدأت الأمور تبدو غري.
32. ألن تحاول الحكومة الإثيوبية أيضًا أن تستخدمك كأداة؟
حتى الآن لم أرَ أي ضغوط من هذا النوع، لكن طريقة تعاملهم كانت مختلفة. لم أواجه عراقيل أو إجراأت معقدة للحصول على التراخيص اللازمة لافتتاح مكتبي. أجريت دراسة الجدوى، وبعد فترة قصيرة مُنحت الترخيص. افتتحت مكتبي، مركز الخليج للدراسات والأخبار. كنت أدخل مجالًا مهمًا، وهم ء بخلاف الحكومة الإريترية ء أدركوا أهمية المركز بالنسبة للاقتصاد وخدمات المعلومات. وكنت أفكر بصورة كبيرة. فقد كان المركز مدعومًا بأسماء معروفة؛ فعلى سبيل المثال، كان الرئيس الفخري للمركز فخامة حسن جوليد، وكان رئيس مجلس الإدارة إبراهيم ديقش، المتحدث السابق باسم منظمة الوحدة الإفريقية.
33. متى حدث ذلك؟
كان ذلك في مارس 1995. وبدأ المركز عمله، وانشغلنا بتأسيسه وتنظيم أعماله والتعريف به في المنطقة. وفي تلك الفترة تقريبًا بدأت أزمة جزر حنيش. أجرت معي قناة MBC مقابلة، وقلت فيها إن لغة القوة لا تليق بالعلاقات بين الشعوب المتجاورة، وإنها لا ترتقي إلى مستوى العلاقات الطبيعية بين الجيران. كما انتقدت طريقة تعامل الحكومة الإريترية مع القضية. وبالطبع لم تتقبل الحكومة الإريترية هذا النقد جيدًا، واستمرت العلاقات في التدهور. وكان حزب الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة غاضبًا.
34. وكيف عرفت ذلك؟
عندما التقيت بإساياس لاحقًا في أحد اجتماعات الإيغاد، قال لي بمرارة: “لقد أصبحت كبيرًا يا توكل، وبدأت تنتقد!” وأردت أن أكون مهذبًا، فابتسمت وقلت: “لا مشكلة يا سيادة الرئيس، فالطفل يجري دائمًا لكنه لا يفوز باللعبة. إنه مجرد عمل صحفي يا فخامة الرئيس.” تحدثنا قليلًا، ثم دعاني إلى الذهاب إلى أسمرا وافتتاح مكتبي هناك.وكان بيطروس سولومون، الذي كان يرافقه في تلك الرحلة، قد أخبرني أيضًا أن بإمكاني استلام المعدات والأثاث التي جلبتها من قطر من المطار وافتتاح المكتب. لكنني كنت قد اتخذت قراري ولم أعد متحمسًا للفكرة. وخلال تلك الفترة عرض عليّ إسياس العمل في صحيفة عربية كانوا بصدد تأسيسها باسم الفجر، وكانت ستصدر من لندن. رفضت العرض لأنني لم أرد التخلي عما بنيته بالفعل. ثم أُعطي المنصب ليحيى العوضي، الكاتب السوداني الذي أصبح محرر الصحيفة. واللافت أن عرض العمل في الصحيفة جاءني من الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة ومن الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية معًا. وكان لدى إسياس طموحات كبيرة بشأن صحيفة الفجر. قال لي:”سنجعلها أفضل من الحياة!” [في إشارة إلى صحيفة الحياة اللندنية المعروفة].
35. لحظة، ماذا تقصد بأن الحكومتين الإريترية والإثيوبية عرضتا عليك العمل في الصحيفة؟
مع عمرو موسى
كان المشروع مشتركًا. وكان الهدف منه مخاطبة شعوب المنطقة، وخاصة القراء الناطقين بالعربية. وقد اتفق الطرفان على تمويله معًا. وكانت الميزانية مليونًا ونصف المليون جنيه إسترليني، يدفع كل طرف 750 ألفًا. لكن الصحيفة لم تستمر طويلًا، وأُغلقت لاحقًا.
36. لم تقبل عرض إسياس، لكنك عملت في صحيفة الفجر، أليس كذلك؟
نعم، عملت فيها ولكن بصفة مختلفة. كنت أمثل الجانب الإثيوبي في المشروع. أما الجوانب التحريرية فكانت بيد أربعة أشخاص: ثلاثة سودانيين وأنا. وكنا نشكل هيئة التحرير. أما رئيس المشروع فكان عبد الله جابر، مسؤول الشؤون التنظيمية في الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة، وكان مسؤولًا عن الجوانب السياسية والإدارية. وكان الدكتور دحلي مسؤولًا عن الجوانب المالية. ومنذ البداية ظهرت بيننا خلافات. فقد اصطدمنا منذ اللحظة الأولى عند وضع السياسة التحريرية والاستراتيجية العامة ومحتوى الصحيفة. كان عبد الله جابر يتصرف وكأنه قائد عسكري. وكان يقول لنا إننا مجرد موظفين علينا تنفيذ التعليمات. لكن لا يمكن إدارة صحيفة بهذه الطريقة. وأصبح الوضع سيئًا لدرجة أنني اشتكيت إلى إساياس. لكن لم يُقدَّم أي حل. واكتفى بالقول إن عبد الله جابر هو المسؤول عن الصحيفة.
37. ما الأسباب الرئيسية لهذه الخلافات؟ هل يمكنك إعطاء مثال؟
كانت لديه رؤية للصحيفة لم أوافق عليها. قلت له إن الصحيفة لا ينبغي أن تُستخدم لإهانة ذكاء القراء. كان عبد الله جابر مصرًا على استخدام الصحيفة لدعم المعارضة السودانية واستفزاز الحكومة السودانية. وأنا كنت ضد التدخل في الشؤون الداخلية للسودان. اعترضت على هذا النهج. لسنا بحاجة إلى أعداء جدد. بل قلت له إن عدد خريجي الجامعات السودانيين يفوق عدد سكان إرتريا، وإن مصالح إرتريا لن تخدمها التدخلات في الشأن السوداني.
38. هل كان التدخل في الشأن السوداني هو المشكلة الرئيسية؟
كانت هناك مشكلات أخرى أيضًا. على سبيل المثال، أراد وضع صورة إسياس على الصفحة الأولى من العدد الأول. اعترضت على ذلك. لكن الصورة نُشرت كما أراد. أما من الجانب الإثيوبي، فقد احتوى العدد الأول على مواد تتناول العلاقات العربية الإثيوبية من منظور تاريخي ومستقبلي.
بينما ركزت المواد القادمة من الجانب الإريتري على تمجيد إسياس وتمجيد الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة. فعلى سبيل المثال، بالغ يحيى العوضي ء الذي أصبح لاحقًا رئيس التحرير ء في مدحه لإساياس بشكل أثار السخرية. أتذكر أنه كتب مقالًا يشرح معنى اسم “أفورقي”، وذكر أن معناه “الفم الذهبي”! كان الأمر محرجًا جدًا في صحيفة كان يُفترض أن تنافس “الحياة”. وبالنسبة لي، بدا أن الصحيفة موجودة أساسًا للترويج لجون قرنق ضد الحكومة السودانية، إضافة إلى تمجيد الجبهة الشعبية وإساياس.
39. هل كان ذلك أحد أسباب غضب الصادق المهدي منك؟
أنت تعرف القصة؟
40ء أسمع بعض الأخبار أحيانًا… هل تروي لنا القصة؟
عندما هرب الصادق المهدي إلى إرتريا، قلت إنه لم يخدم قضيته سياسيًا بالذهاب إلى إرتريا، لأنه لن يحقق مكاسب سياسية حقيقية من ذلك. وفي وقت لاحق طلب مني بيطروس سولومون إعداد تقرير سياسي عن الصادق المهدي وتحليل موقعه في السياسة السودانية. كتبت التقرير وسلمته إلى بيطروس سولومون. لكن بطريقة ما وصل التقرير، الذي كان يفترض أن يكون وثيقة سرية أُعدت للحكومة، إلى الصادق المهدي نفسه. فغضب بشدة. وأتفهم سبب غضبه. لكنه تجاوز ذلك واتهمني بأنني عميل للجبهة الإسلامية القومية التابعة لحسن الترابي.
41. كيف وصل إليه تقرير كان من المفترض أن يكون سريًا؟
قام أحد الدبلوماسيين بتسريبه إليه. ولا أريد ذكر اسمه لأن القضية بالنسبة لي انتهت وقد سامحته. لكن كانت هناك أيضًا قضية الكرمك. فقد تسللت مع زميل صحفي عبر الحدود الإثيوبية إلى مدينة الكرمك داخل السودان، وأعددت تقريرًا عن سقوط المدينة في يد قوات جون قرنق.
وحظي التقرير بتغطية واسعة وانتشر في أنحاء المنطقة. وكان لذلك التقرير أثر سلبي إضافي على علاقتي بالجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة. كما ذكرت في التقرير أن قوات إريترية مسلحة جيدًا كانت تقاتل إلى جانب قوات جون قرنق في الكرمك، وأن وجودها كان عاملًا حاسمًا في تحقيق الانتصار.
42. وكيف عرفت أنهم كانوا إريتريين؟
ماذا تقصد؟ ألا أستطيع التمييز بين الجندي الإريتري وغيره؟ لقد التقيت بهم وتحدثت مع عدد كبير منهم. وبعد تغطيتي لأحداث الكرمك وعودتي إلى إثيوبيا عبر الحدود نفسها، اعتُقلت أنا وزميلي في مدينة أسوسا الإثيوبية بسبب عبور الحدود من دون تصريح. لكن أُفرج عنا لاحقًا. فالصحفي كثيرًا ما يجد نفسه في مشكلات غير متوقعة.
43. وماذا حدث للقوات الإريترية بعد ذلك؟
حسنًا…كان المشروع مستمرًا. وبالطبع تتذكر مشروع “قادة النهضة الإفريقية” الذي دعمه كلينتون. وكان الحلفاء الإقليميون ينفذون مشروع تطويق السودان وإسقاط نظام الجبهة الإسلامية القومية بقيادة الترابي. وكان التحالف الثلاثي ء إرتريا وإثيوبيا وأوغندا ء يحظى بدعم الولايات المتحدة. وكانت إرتريا تطمح إلى أن تصبح قوة إقليمية، وكانت أكثر حماسًا من إثيوبيا وأوغندا. وبعد الكرمك تحرك نحو 1500 جندي إرتري مع دباباتهم إلى الكونغو، وساهموا في إسقاط موبوتو سيسي سيكو وإيصال كابيلا إلى السلطة.
44. وماذا حصلت عليه إرتريا مقابل ذلك؟
ربما يستطيع هيلي منقريوس أن يشرح ذلك بصورة أدق، لأنه كان المبعوث المسؤول عن المنطقة. كانت هناك ثروات ومصالح كبيرة: ذهب وألماس وثروات أخرى. وكانت شركات كثيرة تتنافس للحصول على نصيبها. كما أن الشاحنات التي كانت تنقل المساعدات والمواد المختلفة إلى المنطقة كانت شاحنات إريترية. وقد توجه عدد كبير منها إلى الكونغو عبر كينيا وأوغندا وعملت هناك لفترة طويلة. وجرى تحقيق ملايين الدولارات من تلك العمليات. كما عُرض منجم في كيسينغانيا على الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة. وكان ذلك أحد أسباب الخلاف بين إرتريا وأوغندا. فقد اعتقد موسيفيني أن إرتريا تحصل على أكثر مما تستحق، وأن الإريتريين ينالون حصصًا كبيرة. وكان الحزب الحاكم في إرتريا يحقق أرباحًا كبيرة.
45. حسنًا، لنعد إلى الوراء. كان الصادق المهدي غاضبًا بسبب تقاريرك عنه، لكن يُقال إنك ساهمت
لاحقًا في ترتيبه لقاءً مع البشير. كيف حدث ذلك إذا لم تكن من المقربين إليه؟ السودانيون ليسوا أناسًا سيئين. إنهم يتصالحون بسرعة ولا يحتفظون بالضغائن طويلًا. وقد تصالحنا عندما التقينا في أحد اجتماعات الإيغاد. ووصل الأمر إلى أنني رتبت لقاءً سريًا بينه وبين الرئيس عمر البشير.
ولأسباب سياسية لم يكن أي منهما يريد لقاءً علنيًا. فرتبت لهما اجتماعًا في جيبوتي. ورافقت الصادق المهدي من أديس أبابا إلى جيبوتي لحضور اللقاء.
46. وبعد كل هذه الأنشطة واللقاأت الرفيعة، ألم تعد إلى أسمرا؟
آخر مرة غادرت فيها أسمرا كانت في مايو 1997. ومنذ ذلك الوقت لم أعد إليها.
47. ولماذا لم تعد؟
مع معمر القذافي
لقد هربت من أسمرا. المرة الأولى التي اضطررت فيها إلى الهرب كانت قبل ذلك بعدة سنوات، عندما نُشر خبر في صحيفة القدس اللندنية لم يعجب الحكومة الإريترية. وقد أخطأ المحرر ووضع اسمي على الخبر. واعتذر علنًا عن الخطأ، بل ونشر رسالة يوضح فيها أن اسمي أُدرج بالخطأ. لكن الحكومة مع ذلك ضيقت عليّ كثيرًا، واضطررت إلى المغادرة. ثم عدت لاحقًا بعد أن هدأت الأمور. أما المرة الثانية فكانت الأخيرة. فقد عُقد في أسمرا، وبرعاية الحكومة الإريترية، اجتماع بين نائب رئيس جهاز الاستخبارات الإسرائيلي وقادة المعارضة السودانية، كما زار معسكراتهم في غرب إرتريا. قمت بإرسال الخبر للنشر. وكان من المفترض ألا يُنشر باسمي الحقيقي. وفي الوقت نفسه كان هناك وفد أمريكي في أسمرا لحضور مأدبة أقامتها السفارة الأمريكية، وشارك فيها أيضًا سفير إحدى الدول العربية. وكان كل ذلك مرتبطًا بزيارة المسؤول الاستخباراتي الإسرائيلي ولقائه بالمعارضة السودانية. وقد زار ذلك المسؤول الحدود السودانية ومنطقة ساوا. وكان اللواء عبد العزيز خالد من المعارضة السودانية موجودًا في ساوا، بينما كانت قوات معارضة أخرى موجودة في هيكوتا. كما كان قد تم تأسيس ما عُرف باسم “اللواء السوداني الجديد” في أسمرا في ديسمبر 1995، وهو تشكيل ضم مقاتلين سودانيين من مختلف أنحاء السودان، بقيادة شخص يدعى فاقان، الذي أصبح لاحقًا أمينًا عامًا للتجمع الوطني السوداني الموحد. كان من المفترض أن يُنشر الخبر باسم مستعار. لكنهم أخطأوا ونشروا اسمي الحقيقي. وفي صباح اليوم التالي، وقبل الظهر بقليل، أبلغني شخص أثق به أن نسخة من الصحيفة وصلت بالفعل إلى أسمرا عبر الفاكس من لندن. أدركت أن عليّ التحرك بسرعة قبل أن تقع الصحيفة في أيدي الأجهزة الأمنية. وكنت مقتنعًا بأنهم سيسجنونني. لهذا هربت لإنقاذ نفسي. استقليت سيارتي وانطلقت بأقصى سرعة نحو زالامبيسا، ومن هناك سافرت بالطائرة إلى أديس أبابا. ومنذ ذلك اليوم لم أعد إلى أسمرا.
48. لماذا كنت تعتقد أنهم سيعتقلونك؟ ربما لم يكونوا سيفعلون؟
كنت واثقًا تمامًا أن الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة لن تتقبل الخبر، وأن اعتقالي كان شبه مؤكد. ولهذا السبب كنت قد طلبت من الصحيفة استخدام اسم مستعار. لكنهم أخطأوا. لو بقيت هناك لاعتُقلت بلا شك. كان ذلك في فترة كان فيها إسياس شديد الحساسية تجاه تسريب الأخبار من أسمرا، خاصة المتعلقة بمشاريعه وتحركاته. وكانت أيضًا الفترة التي اعتُقلت فيها الصحفية روث سيمون لأنها نشرت خبرًا صغيرًا، كما سُجن آخرون.
49.ألم تلتقِ بقيادات الجبهة الشعبية بعد ذلك؟
بلى. ضعفت العلاقات لكنها لم تنقطع تمامًا. التقيت بإسياس في جيبوتي قبل اندلاع الحرب الحدودية. ومنذ ذلك الوقت أدركت أن الأمور ليست على ما يرام. فعندما وصل إسياس صافح دانيال آراب موي وحسن جوليد، لكنه لم يصافح ملس زيناوي. تجاهل كل منهما الآخر. وكان هناك أربعة رؤساء دول في الاجتماع، بينما كان موسيفيني والبشير ممثلين بنوابهما. وبعد انتهاء الاجتماعات طلبت مقابلة إساياس.فقال لي يماني قبرمسقل إن الرئيس غاضب مني، وإن الأفضل أن ألتزم الصمت وأستمع فقط. هززت رأسي وتوجهت إليه. وجدته جالسًا قرب المسبح. ومن ملامح وجهه استطعت أن أرى غضبه. في البداية حاول تجاهلي.فسحبت كرسيًا وجلست قريبًا منه. وبدأنا نتحدث.وفي النهاية دعاني للعودة معه إلى أسمرا على متن طائرته. اعتذرت وقلت إن لدي أعمالًا في أديس أبابا يجب أن أعود إليها. ولاحظت أنه لم يكن مرتاحًا لذلك. ثم قال لي: “لماذا لا تسمي نفسك محمد أديس بدلًا من محمد توكل؟” فأجبته بأنه لا يوجد سبب يدعو إلى غضبه. وذكّرته بأنني عندما طلبت ترخيصًا للعمل في إرتريا رفضوا منحي إياه، وأنني حاولت أن أبني شيئًا في بلدي لكنهم أعاقوني، بينما وجدت في إثيوبيا كل التسهيلات التي احتجتها. وقلت له إنه لا ينبغي أن يغضب من ذلك. هز رأسه، وتبادلنا حديثًا قصيرًا، ثم غادرت الفندق.
50. ولماذا لم تذهب إلى أسمرا إذا كان الرئيس يحاول المصالحة؟
لا. لقد فقدت ثقتي في الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة منذ زمن طويل. وبعد ذلك اللقاء، أقيمت في المساء مأدبة عشاء على شرف إسياس في منزل السفير دانيال، السفير الإريتري. وخلال المناسبة لاحظت تعابير الوجوه والمواقف. وأخبرني أحد الدبلوماسيين ء ولا أريد ذكر اسمه ء أن إسياس قال لوَدي كاسا [أبرها كاسا، رئيس جهاز الأمن]:”إزي ودي سِدي كوينو لو… سْنى سِرعت أمهرو” أي: “هذا الولد بدأ يسيء التصرف… علّموه الأدب.” فكيف كنت سأذهب إلى أسمرا وأنا أعرف هذه العقلية؟
51. خلال الحرب الإريترية الإثيوبية كنت تعمل من أديس أبابا. بعض الناس يقولون إنك كنت تروج للرواية الإثيوبية، أو على الأقل للرواية الإثيوبية للحرب؟
أبدًا. لم أكن أعمل كمراسل خلال الحرب. كنت أقدم تحليلات سياسية فقط كما يفعل أي محلل سياسي. بل إنني اعتذرت لقناة الجزيرة ورفضت القيام بأي تغطية إخبارية للحرب بسبب حساسية الموضوع. وقبل الحرب كنت قد نشرت تقارير عن حصول الحكومة الإريترية على معدات وأسلحة جديدة. وغضب بعض الإثيوبيين آنذاك وقالوا إن تقاريري تؤثر على معنويات الجنود الإثيوبيين. لكن أثناء الحرب نفسها لم أقم بالتغطية الإخبارية. كنت في أرض الصومال عندما سمعت بخبر اندلاع الحرب. لقد رأيت كيف تؤدي الشكوك الإثيوبية والممارسات الإريترية إلى تعقيد الأمور. ولهذا قررت أن أتعامل مع الأحداث بمهنية، كما يفعل أي صحفي. فهذه هي مهنتي.
52. لكنك لم تكن صامتًا تمامًا أثناء الحرب؟
صحيح. كما قلت، عندما كان يُطلب مني إبداء رأيي كمحلل كنت أفعل ذلك، لكنني لم أكن أقدم الأخبار. كنت على علم بوجود تيار متشدد داخل الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي يدفع نحو التصعيد. ونصحت من التقيتهم من الجانب الإريتري بأن ينتبهوا إلى مخاطر المواجهة العسكرية. لكنهم كانوا يعيشون حالة من النشوة والثقة المفرطة. وكانت الإهانات المتبادلة تتصاعد يومًا بعد يوم. وبدا أنهم لا يتخيلون حجم الكارثة التي ستقع على البلد والمنطقة إذا اندلعت الحرب. وقد حذرت من ذلك علنًا ونشرت آرائي في سلسلة من أربع مقالات في صحيفة أديس زمن.كنت أرى أن المسؤولين يتصرفون بلا مسؤولية. فعلى سبيل المثال، التقيت مرة بجِرما أسمروم، الذي كان سفير إرتريا في إثيوبيا، وذلك قبل الحرب مباشرة. اقترب مني بصوت مرتفع وترحيب مبالغ فيه.
ثم عانقني أمام عدد من المسؤولين الإثيوبيين الموجودين هناك. وأثناء العناق همس في
“دعني أعانقك حتى يعتقدوا أنك عميل لنا فيطردوك من إثيوبيا.” ابتسمت فقط وتركته. مثل هذا السلوك الطفولي يوضح كيف كان بعض الدبلوماسيين الإريتريين يتصرفون في الأوساط الدبلوماسية. ولم يكن ذلك يساعد على تهدئة الأوضاع إطلاقًا.
53. ما طبيعة علاقتك بقوى المعارضة الإريترية؟
تعرفت على معظم شخصيات المعارضة في عام 2002 عندما وصلوا إلى أديس أبابا. وكنت ألتقيهم كما يلتقي أي إريتري بإريتريين آخرين خارج بلده. دعوتهم إلى منزلي، وشربنا القهوة معًا، وكانت بيننا علاقات اجتماعية طبيعية وعلى أساس شخصي بحت.
54. تقصد أنك لم تكن حلقة وصل بينهم وبين الإثيوبيين؟
أبدًا. لا علاقة لي بعلاقاتهم مع إثيوبيا. لقد جاءوا إلى إثيوبيا، وأنا كصحفي أتابع ما تقوم به أي منظمة سياسية أو حكومة. علاقتي بإثيوبيا لا تختلف عن علاقتي بالسودان أو جيبوتي أو كينيا أو الصومال، أو حتى إرتريا في الماضي. أنا أعيش في إثيوبيا بترخيص صحفي، وأدير مكتبًا ومؤسسة تجارية. ولا أحمل جواز سفر إثيوبيًا ولا إريتريًا.
55. إذن أي جواز سفر تحمل؟
أحمل جواز سفر… وهذا كل ما يمكنني قوله.
56. حسنًا، أخبرني عن سبب مشاكلك مع بعض أطراف المعارضة؟
دعنا نحدد الأمر بدقة. أنا أعرف مشكلتين صغيرتين فقط. الشخص الذي أعلن مشكلته معي علنًا هو سيوم عغباميكائيل، رئيس المجلس الثوري لجبهة التحرير الإرترية في فرانكفورت. لم أكن قد التقيته من قبل. لكن عندما ذُكر اسمي أمامه، سمعت أنه قال: “هل لدينا إريتري اسمه توكل؟”
وعندما وصلني هذا الكلام وجدته غير لائق. وبعد أيام، عندما تم تقديمي إليه، سألته: “وهل لدينا إريتري اسمه سيوم؟” ولم يساعد ذلك على تحسين العلاقة، لأنها بدأت بصورة سلبية. ثم نشر بيانًا رسميًا على الإنترنت من مكتب رئيس المجلس، وتضمن تلميحات واتهامات غير مباشرة ضدي. وقد فضلت عدم الانجرار إلى تلك التلميحات. ورددت عليه باحترام، احترامًا للمنصب الذي يشغله. أما من الناحية السياسية، فقد دعيت إلى مؤتمر المجلس الثوري في غوندر. وأكثر ما أزعجني هو المنطق الذي جاء بسيوم إلى القيادة، وهو أن: “المسلمين قادوا التنظيم أربعين عامًا، وحان الوقت ليقوده مسيحي.” ورأيت أن هذا منطق خطير وسابقة سيئة وتبرير ضعيف للغاية.
57. وأنت من توسط لحروي بايرو كي يأتي إلى أديس أبابا، أليس كذلك؟
هذا غير صحيح. حضرت مهرجان كاسل عام 2002، ثم ذهبت إلى السويد. وهناك حضرت حفلة فنية لفنان إريتري. وطُلب مني أن ألقي كلمة قصيرة. وأثناء حديثي رأيت حروي بين الحضور، فذكرت اسمه في سياق حديثي عن نشاطات المعارضة ورأيي فيما كان يقوم به. وبعد ذلك التقينا وتحدثنا كما أتحدث مع أي شخص آخر. وقد أخبرني بأنه التقى بقيادات التحالف، وأن هناك مناقشات جادة تجري معه، وأن بعض القادة يريدون انضمامه إلى التحالف. لكنه لم يخبرني بخططه أو بنيته السفر إلى إثيوبيا. وعندما عدت إلى أديس أبابا رأيته مثل بقية الناس، بمن فيهم أعضاء المعارضة أنفسهم. وبطبيعة الحال التقيت به لأننا أصبحنا نعرف بعضنا. كما أنه، بخلاف قادة المعارضة الآخرين الذين كانت لديهم مكاتب وتنظيمات في أديس أبابا، لم يكن يملك أي شبكة دعم أو مساعدة. لذلك كنت أوفر له المواصلات وأساعده عندما يحتاج إلى أي شيء أستطيع تقديمه. وهذا ما كنت سأفعله مع أي شخص أعرفه. أما فيما يتعلق بتغطية نشاطاته، فأنا صحفي وأتابع التطورات، وهذا جزء من عملي. كيف تعرف “عواتي” الأخبار والتطورات؟ أنت تعرف كيف تسير الأمور في العمل الصحفي. لكنني لم أتوسط في مجيئه إلى أديس أبابا.
58. لكن هناك شائعات تقول إنك حملت له رسالة من الحكومة الإثيوبية؟
هذا غير صحيح. وإذا كان لدى أي شخص دليل فليقدمه علنًا.وإذا كان لدى حروي رسالة، فليقم بنشرها.
59. لكنك كنت قريبًا جدًا من حروي عندما وصل إلى أديس أبابا وانتُخب أمينًا عامًا للتحالف الوطني الإريتري. هل تقصد أنك لا تعرف كيف جرى ذلك؟
بلى، كنت قريبًا منه. وأصبح انتخاب حروي قضية كبيرة لدى بعض أطراف المعارضة. وإذا كنت تشير إلى موضوع الانتخابات، فأقول الآتي: لنفترض أنني كنت متعاطفًا مع حروي وأعجبني كشخص. لكن لا تنسَ أنني لا أملك حق التصويت داخل التحالف. أما الذين كانوا يملكون حق التصويت وكانوا أعضاء في الأمانة العامة، فهم الذين ينبغي أن يتحدثوا عن الموضوع. فقد تم قبول حروي في التحالف قبل بدء عملية التصويت. وأنا آسف لأن بعض الناس لم يعجبهم انتخابه. كان على من يملك حق التصويت أن يثير اعتراضاته قبل موعد الانتخابات. وسأوفر عليك سؤالًا آخر: لا أعتقد أن أحدًا فرض انتخاب حروي.لكنني، كصحفي، سمعت أن بعض أعضاء التحالف كانت لديهم تحفظات على بعض المرشحين الآخرين. وكانت هناك اعتبارات عديدة يجري الحديث عنها، مثل مدى قبول المرشح لدى حكومات المنطقة، وموقفه من الحقوق الديمقراطية، وموقفه من قضايا اللغة والأرض. وكانت هذه الأمور من المعايير المطروحة عند مناقشة المرشحين. أما بالنسبة لسيوم، فإن الذين كانوا يدعمونه هم أنفسهم الذين لم يُنتخبوا في مؤتمر غوندر، ولم يكونوا مؤثرين داخل المجلس الثوري نفسه، فضلًا عن التحالف.
60. لنعد إلى مشاكلك مع التحالف. ما هي المشكلة الثانية التي أشرت إليها؟
بعضهم يعتقد أنني أدعم مسفن حقوس وسمرى كَسَّتي. وفي الآونة الأخيرة بدأوا يروجون شائعات تقول إنني أدعم أحد أجنحة المجلس الثوري. بل إن بعض القادة أرسلوا شكاوى رسمية مكتوبة ضدي إلى حكومات مجاورة.
61. هل يمكنك أن تكون أكثر تحديدًا؟ إلى أي حكومة أرسلوا الشكاوى؟
أستطيع فقط أن أقول إنهم اشتكوا إلى إحدى الحكومات. إلى واحدة من حكومات المنطقة الثلاث.
62. ولماذا لا تذكر اسم الحكومة؟ هل كانت إثيوبيا أم…؟
اختر ما تشاء. في النهاية لم يحققوا شيئًا. لقد حاولوا عبثًا إيجاد رابط بين الجبهة الشعبية الديمقراطية ومجموعة التغيير الديمقراطي من جهة، وبين الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة من جهة أخرى، ثم حاولوا إيجاد طريقة لربطي أنا بالأمر.
63. إذن حدثني عن علاقاتك بكل من الجبهة الشعبية الديمقراطية ومجموعة التغيير الديمقراطي، وكذلك ببقية التنظيمات؟
بشكل عام، كان مسفن حقوس لا يزال في إرتريا حتى وقت قريب. وأنا أحترمه لتاريخه، ولأنه رفض النظام وهو في موقع رفيع كان يمكنه أن يلتزم الصمت ويتمتع بحياته. لم يكن أنانيًا، ويستحق الاحترام. وقد التقيته وتحدثت معه. أما سمر كَسَّتي أيضًا فأكن له التقدير. كلاهما يحمل أفكارًا مستنيرة، وأعتقد أن هذه الأفكار تُسرّع سقوط النظام في إرتريا. أما في سميرى فأرى طاقة ومستقبلًا. وجميع زملائه شباب نشيطون ومتحمسون. وبالمناسبة، سميرى هو الشخص الوحيد من المعارضة الذي عاش معي في منزلي. وهو إنسان مؤدب ومتواضع جدًا.
أصبح فردًا من العائلة، وأنا أحبه كثيرًا. ورغم صغر سنه، فهو حكيم ومتواضع. ومن المهم أيضًا أنه لا ينتمي إلى صراع “جبهة أم شعبية”. ورأيت فيه شخصًا مؤهلًا ليكون جسرًا بين الجيل القديم والجيل الجديد داخل المعارضة. ثم إنني إريتري. ولي مصلحة فيما يجري في بلدي، وهذا حقي وواجبي. لدي اهتمام بالأمر بوصفي إرتريًا، ولدي اهتمام آخر بوصفي صحفيًا. وسأشارك في أي نشاط أختاره. ثم دعني أسألك أنت: ألا تعتبر نفسك قريبًا من المعارضة؟ هل تنقل الأخبار كأجنبي لا يهتم بمصلحة إرتريا عندما تكتب أو تقدم النصيحة؟ ألا تفعل ذلك؟
64. أنا من يطرح الأسئلة هذه المرة، وقد وافقت على ذلك. دعنا نواصل. هل تعمل لصالح الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة؟
[يضحك] الذين اشتكوا مني هم أنفسهم الذين يتهمونني بذلك. نحن الإرتريين بحاجة إلى أن نتعلم الكثير. لقد زرت عبد القاسم صلاد حسن بعد انتخابه رئيسًا في مؤتمر المصالحة الصومالي في عرتا، رغم أن إثيوبيا لم تكن تعترف به. زرتُه، ولم تقل إثيوبيا شيئًا عن تلك الزيارة. وفي المقابل، عندما التقيت بعلي سعيد في جيبوتي، قال لي إنني لا أدافع عن بلدي إرتريا بل أدافع عن الصومال. وقال ذلك بطريقة متعالية بعض الشيء. طبعًا الحكومات تتعامل معي باعتباري صحفيًا. ولا أنكر أن لدي علاقات مع الحكومات. فالحصول على الأخبار ونشرها هو مهنتي، ومن حقي أن أقوم بها. ثم إن علاقاتي مع هذه الحكومات والدول أقدم من قيام التحالف وأقدم من الحرب الإريترية الإثيوبية. وقد يسبب ذلك مشكلات مع بعض الأفراد والقادة. لكن جوابًا على سؤالك: ليست لدي أي علاقة بالجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة.
65. هل تقدم نصائح للحكومة الإثيوبية بشأن إرتريا؟
[يضحك بصوت عالٍ] أتقصد أنني أعرف السياسة الإريترية أكثر من الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، وأنهم بحاجة إلى نصائحي؟ لقد عملوا معًا لسنوات طويلة. ويعرفون بعضهم بعضًا على المستوى الشخصي أكثر مما يعرفهم أي شخص آخر. أما إذا سُئلت عن رأيي، فلن أقول شيئًا يضر ببلدي. فالمعيار الذي أحتكم إليه دائمًا هو مصلحة إرتريا، وليس مصلحة الأشخاص أو الجماعات.
66. ما تقييمك للتحالف الوطني الإريتري؟
باختصار: إذا لم يتمكن الإرتريون من الجلوس معًا وحل قضايا تقاسم السلطة والبرامج السياسية وغيرها، فإننا نسير نحو مصير الصومال. كانت جبهة التحرير تقول إن الساحة الإريترية لا تتسع لأكثر من تنظيم واحد، فانتهت. واليوم يكرر حزب الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة الفكرة نفسها، وسينتهي بالطريقة نفسها. علينا أن نقبل التعايش. وضعنا غريب جدًا. فنحن البلد الوحيد الذي لا تعترف فيه المعارضة بالحكومة، ولا تعترف الحكومة بالمعارضة. ونحن نواجه مخاطر حقيقية. فإذا فُرض التحالف الوطني على إرتريا بالقوة فلن يختلف عن الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة. كما أن المعارضة عمومًا لا تعترف بالدستور، وأرى أن ذلك خطأ جسيم.
صحيح أن الدستور فيه نواقص كثيرة، لكنه يظل أداة للنضال. ينبغي أن نناضل من أجل تطبيقه أولًا، ثم نسعى إلى تطويره وتحسينه. فهذه عملية مستمرة. وعلى الأقل فإن الدستور يتضمن ضمانات للحقوق الأساسية. ولا توجد دولة أو منظمة دولية ستحترمك إذا لم يكن لديك دستور وتتحرك بلا بوصلة. لقد انتهت مرحلة حرب التحرير. أما اليوم فلدينا دولة، وهذا وضع مختلف تمامًا.
67. هل تعتقد أن الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة يمكن أن تتصالح مع دول الجوار؟
مستحيل.الخلافات أخذت طابعًا شخصيًا. إسياس يتعامل مع الأمور بشكل شخصي. كما أن دول الجوار اتفقت على عدم التعامل مع النظام. والنظام اليوم يتآكل من الداخل. وسينهار ويسقط في النهاية.
68. وماذا عن الكفاح المسلح؟
لسنا بحاجة إليه. أعتقد أن على المعارضة أن تعتمد الوسائل السلمية والدبلوماسية. وعليها أن تقلص الفجوة بينها وبين الشعب. فالعمل العسكري لم يعد يحقق فائدة. وأصبح بإمكان أي مواطن أن يتبنى المطالب نفسها التي ترفعها المعارضة المسلحة. ولا معنى لحمل السلاح وإراقة الدماء عندما يمكن تحقيق الأهداف بالوسائل السلمية. وفي نهاية المطاف، فإن الجيش الإريتري هو جيشنا الوطني. ويجب أن نعتمد عليه كمؤسسة لحماية الدستور والوطن. وينبغي لكل تنظيم معارض أن يسعى إلى التأثير في الجيش وكسبه، لا إلى مواجهته. وفي يوم من الأيام ستحدث انتفاضة بالتأكيد.
68. شكرًا
ملاحظات تعريفية
- الجبهة الشعبية لتحرير إرتريا (EPLF):
التنظيم الذي قاد الكفاح المسلح ضد الحكم الإثيوبي خلال السنوات الأخيرة من الثورة، وتولى السلطة في إريتريا بعد التحرير. - الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة (PFDJ):
الحزب الحاكم في إريتريا منذ عام 1994، وهو الامتداد التنظيمي للجبهة الشعبية لتحرير إرتريا. - عثمان سبي:
أحد أبرز القيادات التاريخية للحركة الوطنية الإريترية، ولعب أدوارًا مهمة في مراحل مختلفة من الكفاح الوطني. - أزمة جزر حنيش (1995):
نزاع بين إريتريا واليمن حول السيادة على جزر حنيش في البحر الأحمر، وانتهى باللجوء إلى التحكيم الدولي. - الإيغاد (IGAD):
الهيئة الحكومية للتنمية، وهي منظمة إقليمية تضم دول القرن الإفريقي وشرق إفريقيا. - ملس زيناوي:
زعيم جبهة تحرير شعب تيغراي ورئيس وزراء إثيوبيا لاحقًا. - جون قرنق:
مؤسس الحركة الشعبية لتحرير السودان وقائدها التاريخي. - موبوتو سيسي سيكو:
رئيس زائير (الكونغو الديمقراطية حاليًا) حتى سقوط نظامه عام 1997. - مؤتمر عرتا (2000):
المؤتمر الذي استضافته جيبوتي وأسفر عن تشكيل الحكومة الوطنية الانتقالية في الصومال. - التحالف الوطني الإريتري:
إطار سياسي ضم عددًا من تنظيمات المعارضة الإريترية خلال العقد الأول من الألفية الجديدة.


Comments