Monday , September 24 2018
Home / عربي / حولية لندن دية مدفوعة للوياني

حولية لندن دية مدفوعة للوياني

 دعونا اولاً نبداء بمشهد تقليدي: زوجين يتخاصمان ويتدخل الأصدقاء والأقارب للصلح بينهم ، وبعدما يُستعمل الضغط على الزوج لطلب العفو من الزوجة يأتي الى البيت ومعه دجاجة سمينة، وتطبخ الزوجة الدجاجة للغداء ، ويتم الصلح فوق “زقني ” من الدجاج. ويأتي الزوج كذلك بهدايا اخري من بينها زجاجة عطر وبعض الملابس من اجل الصلح والتسامح. وهذا التعويض يسمى “الكحسا”. وبالطبع اذا كان اصل الخلاف خيانة الزوج لزوجته، يطلق على الهدية “سوق أربعا”. ولكنني لم اسمع قط كيف تُعوض الزوجة الزوج اذا كانت هي التي إرتكبت الخيانة الزوجية. ولكن على الأرجح سوف تكون الزوجة قد ماتت قبل ذلك بعد ما قتلها الزوج !

ويمكنك ان تستنتج من القصة ان اصدقاء الزوج الخائن وجيرانه وزملائه فى العمل وإناس تعرف بهم فى البالتوك او اناس قابلهم فى مقهى على الناصية ليس لهم اي علاقة بشجار الزوجين او قرار الصلح . وهنا يبرز السؤال المحير وهو : لماذا يعتقد الواحد ان الأخرين لهم نفس المسؤولية فى الخيانة التى ارتكبها ؟ وإنه ربما فى مثل هذه الحالة التى يقول فيها البدو “لا ناقة لنا فيها ولا جمل”.

تخيل إنك إستلمت رسالة دعوة من احد الزوجين. وعندما تقرأها تجد مكتوباً فيها مايلي : تخاصمت مع زوجتي وإننى نادم على ذلك. وبالرغم من انك لست مسؤولاً عن خصومتنا، إلا ًّ إننى اريدك ان تكون شريك فى المسؤولية وان تتصالح مع زوجتي فى عزومة “سوق أربعا” التى سوف نقيمها فى دارنا، وسوف اتكفل انا بتكاليف التذكرة والهوتيل وربما تكاليف النذهة وكذلك مشاهدة المعالم. 

اليس من الممكن ان يذهلك هذا التصرف؟

ادم دَاسْ و”كَارَا وُرًّايْ” (سكين العزومة)

من اجل ان نجعل القرأة هنا ممتعة بعض الشيء ، سوف نذيد فيها قليل من البهارات واعرفكم  ببعض المصطلحات التقليدية. فى المنخفضات ان الشخص الذي يظهر فى كل المناسبات حتى وإن لم تقدم له الدعوة، يطلق عليه لقب “أدم داس”. والشخص المماثل فى المرتفعات يطلق عليه لقب “كارا وراي” (ومعناها سكين العزومة).  وهذه سكينة جيدة و حادة يتسلفها كل من له عزومة.  وإذا كنت “كارا وراي” لا سمح الله، فسوف تقبل الدعوة وتشد الرحال الى لندن ولو كانت لندن فى ارض الواقواق (ولم يضعوها على الخريطة بعد). وإذا كنت ادم داس ، فسوف تجد العذر للحضور — كما قال لي بكل أسف احد المدعوين، “إنني ذاهب لأن عندي عطلة على كل حال واريد ان ازور أقاربي فى لندن” .

الشكر موصول لصديقي القديم “المناضل” باولوس بَعَتايْ وهو بصدد طبخ “زقني دَرْهُو” او “ملاح الفراخ” ربما بقصد تقديمه كدية  “للوياني” ليعوضهم عن موقفه المعادي تجاههم فى السابق ، وكثيرون مثل ادم دَاسْ وكَارَا وُرَايْ سوف يكونون هناك شكراً للجيب العميق للمنظمة غير الحكومية التى تمول المهرجان. وسوف يتواجدون كثيرون فى الحضور، بعضهم ساذج وبعضهم الأخر قلق ومهتم بصدق.  ولكن الصادقون منهم يبدوا وكأنهم  يحملون بوصلات ينقصها المؤاشر المغناطيسي لأنهم عندما يتوجب عليهم فى ان يكونوا فى اماكن اخرى، يجدوا أنفسهم فى لندن. ولكن هناك استثناء من ذلك وهم شريحة اللاجئين، وإنني اشجع هؤلاء الذين يعانون في معسكرات اللاجئين والذين يتوقون للحصول على التأشيرة للهجرة الى اوروبا من الإتصال بالمشرفين. وكل ما عليكم فعله هو ان ترسلو لهم رسالة إلكترونية توضحوا فيها إنكم تريدوا حضور ” الحولية ” ولكن تذكروا ان يكون لكم الإسم الصحيح لكي يرسلوا لكم تذكرة الطائرة ورسالة الى سفارة صاحبة الجلالة توصي بإعطائكم التأشيرة–حتى لو لم يكونوا على معرفة مسبقة بكم لأنهم إناس طيبون. 

عندما يتصلوا بى بعض الأخوة لمعرفة رأيى فيما إذا كان عليهم حضور مؤتمر لندن هذا ام لا، إنني اطرح عليهم سؤالين او ثلاثة قائلاً : هل تعارض ان يكون هناك سلام مع إثيوبيا او فى المنطقة ؟

 ويردوا عليَّ قائلين إنهم لا يعارضو ذلك.

واوجه لهم السؤال الثاني “كفرد، هل لك أي عداء تجاه شعب إثيوبيا حتى يتوجب عليك ان  تكون فى لندن من اجل الصلح ؟ “

 ويردوا قائلين إن ليس لهم اي عداء مع شعب إثيوبيا.

واوجه لهم السؤال الثالث “إذن لماذا تفكر لحضور الحولية  فى المقام الأول؟ “

ويكون ردهم ”  أه .. أه .. أه … “

إذا كان هناك من يتوجع لبناء السلام مع الشعب الأثيوبي، فإنه ربما عليه كذلك بناء سلام مماثل بين الشعب الإرتري وشعب الواقواق. ان الحضور فى ” حولية ” لندن سوف لن يمكنهم بتغير أي شيء او التأثير فى اي شيء على الإطلاق. بكل بساطة، ان باولوس لا يمتلك اي سلطة أخلاقية ليكون عرَّاب السلام بين إثيوبيا وإرتريا لأنه لم يحمل اي تحول صادق فى قلبه تجاه الشعب الإرتري المتنوع، وان مواثيق وبيانات السلام التى يرفعها ليست إلاَّ  مجرد مواعظ فارقة.

كما هو واضح، ان باولوس اليوم قد خفف من مواقفه المتشددة تجاه إثيوبيا فى السابق وذلك فى حد ذاته امر مستحسن لأن من حق الناس ان يغيروا أرائهم. ولكن فى ذات الوقت يتوجب عليهم ان يوضحوا الأسباب التى حدت بهم للتغير من مواقفهم السابقة. منذ عام 2002 ان موقفه السابق كان يصاحبه عداء وهجوم شرس وإبتزاز للمعارضة وقوة المقاومة. وإنه ألحق ضرر كبير بالقوة الإرترية التى تقف فى مواجهة الهقدف. ولكن عندما غيرا باولوس (واصحابه) موقفهم 180 درجة، لا يسع المرء من ان يدرك من ان كل ذلك التبجح لم يكن إلاَّ مواقف حزبية متحيزة. وفجأة توقف كل ذلك الغضب والشتائم ” إزوم زدميونا ! إزوم وياني” هولاء الذين سفكو دمائنا ! هؤلاء الوياني!”  ولكن فى ذات الوقت كل هؤلاء الذين كانوا الضحية لسنين طوال والذين يستحقون الإعتذار المهذب لم يقدم لهم اي إعتذار. بالعكس علينا ان نبحث ونفتش عن الشرح لتغير المواقف فى مقال غريب لباولوس، والذي حاول ان يتطوع فيه بالشرح لذلك السلوك.

يبدو ان المصالح الشخصية اخذت الصدارة عندما وُظف باولوس من قبل منظمة IDEA  (منظمة غير حكومية تمول نشاطاته السياسية) واقام محطته فى جنوب أفريقيا. فى العاشر من سبتمبر عام 2007 كتب باولوس مقال متعال تحت عنوان “بعد عشرة اعوام: أديس بدون إرتريين”، موجود على هذه الوصلة والشكر لجوجل (الوصلة لمقال الإعتدار فى موقع الحزب الديقراطي يأخذك الى طريق مصدود)    

يقول باولوس فى مقاله: “لا يمكن لشخص مثلي يعمل على مستوي رفيع فى منظمة حكومية عالمية لها برامج واسعة فى القارة الأفريقية من عدم زيارة أديس ابابا”. ربما كان عليه ان يخبرنا عن جدول سفره وكيف إنتهى به المطاف فى أديس أبابا.  بالطبع كان عليه السفر الى إثيوبيا وبدون شك حط الرحال فى مطار بولي فى أديس ابابا (لا اعتقد إنه سافر براُ عن طريق مويالي او متما او بادمي) ، وعلى الفور اصدر فتوى قائلا ً ” أسمعوا ! أسمعوا ! إنه ومن اليوم فصاعداً اصبح السفر الى إثيوبيا ومقابلة “الوياني”  حلالاً “. وكثيرون تقبلوا النداء بحفاوة وزاحموا شوارع أديس ابابا. وفجأة  اصبح السفر الى إثيوبيا والتودد لزعمائها الذين حتى القريب كان يُنظر إليهم بالإحتقار، وتناول العشاء وشرب النبيذ معهم امر حلال وكوشر، ولكن على كل حال، إثيوبيا لم تكن بلاد غريبة على باولوس لأنه درس وعمل فيها قبل سنين مدة. وهى نفس البلاد التي إستقبلته كعضو للهقدف حتى عكرت مشكلة بادمي كل ذلك. ولكن عادت العلاقات الحميمة من جديد بسرعة وتوقف الهجوم اللاذع منذ ان قابل زعماء الوياني. وبعد سنتين لقد نصب باولوس نفسه ولي السلام مع إثيوبيا. ما شاء الله !

ربما ظن باولوس من خلال كتابته مقال متعالي من إنه تمكن بفاعلية إجهاد اي تساؤلات قد يسببها تقلب مواقفه أذاء الوياني. ولكن منطقه كان ضعيف ، ومهين فى ذات الوقت لأن ليس على المرء ان يعمل مع المنظمات الحكومية ليقرر بحرية الى اين يسافر او أين يعيش ، لأنه يجب ان يكون هناك  سبب وجيه غير ذلك. ان موقف وسياسة مجموعته  الأبتزازي بما يخص العلاقات مع إثيوبيا تسبب فى اكثر من إنشقاق نتج عنه شبه الشلل فى حزب باولوس ، وهنا يمكن للمرء ان يتسال ببرأة، هل هو باولوس الذي اصبح الخائن ام الخونة هم الذين إنقلبوا الى وطنين ؟

إستيرويد المنظمات غير الحكومية

فى ديسمبر الماضي كنتُ فد دعوت الى رحلة قصيرة الى لندن ولكن للأسف كان عليَّ ان ارفض الدعوة وان اخيب امل بعض الأصدقاء وان كلمات مثل ” إنك أذيت شعوري” ليست مقبولة فى مثل هذه الحالات. 

كما قد يتذكر البعض منكم ان لي تجربة فى المشاركة للتحضير (نيابة عن موقع عواتي) لتجمع مماثل مع باولوس بعتاي عندما إتصل بنا للغرض فى عام  2002 م . ونسبتا لسذاجتنا فى ذلك الوقت وعدم إلمامنا بكيفية عمل المنظمات غير الحكومية والتعامل معها،  قبلت الدعوة  ولكن بشرط ان يكون التجمع متنوع من حيث الحضور وشامل لكل التوجهات لأننا لم نكن نجهل المعاملات الشريفة. ولكن الذي كنا نجهله فى ذلك الحين هو لماذا كانت كل خطوة نقوم بها تُنثق مع احد زعماء حزب باولوس. إنني لم أعارض مشاركة ذلك الحزب لأنهم كانو الأولاد الجدد فى الحارة وبذلك كنت أأمل من إنهم ربما سوف يتمكنوا بالقيام بعمل منتج – ولكن تذكروا قلت لكم إنني كنت ساذج فى تعاملي معهم.  ومدت شهور من العمل وسافرت الى هولندا وامضيت ثلاثة ايام فى قرية امرسفورت فى هولندا واخرجنا ورقة عمل ممتازة.  وبعد ذلك إنهمكنا فى إعداد قائمة  تشمل مئة وخمسون شخصية كانوا سيدعون الى مؤتمر تمهيدي ، وفى الحقيقة ان صديقي سمري هبتي ماريام قام بجهد كبير واعدا قائمة شاملة تحتوي على أسماء الأباء والأعيان والمثقفين والناشطين وإقتراح عن كيفية  تمثيل التنظيمات السياسية المتنوعة.  ومع الأسف ان كل ذلك الجهد  كان على أساس وعد من باولوس بأنه يملك الوسائل لتغطية تكاليف المؤتمر المترقب. ولكن فى النهاية تراجع باولوس عن وعده وان إجتماع امرسفورت اصبح مكسب شخصي وسطر واحد فى ملف السيرة الذاتية لباولوس وحدث وحيد مثل مؤتمر برلين ونيويورك وغيرهم. 

ومع مرور الوقت ادركت ان باولوس اقوى بكثير مما يوحى به مظهره والشكر هنا يرجع لإستيرويد المنظمات غير الحكومية (والإسكندنافية منها على وجه الخصوص) إذ إنه تمكن من تثبيت نفسه فى وضع يمكنه من ان يكون المقاول الفرعي لكثير من المنظمات غير الحكومية التي تعتمد الى درجة كبيرة على نصيحته لوضع سياساتها تجاه إرتريا ومنظمات المقاومة.

 كما هو معروف ان الحكومات الغربية قامت “بخصخصة” اعمال وزارات خارجياتها فى العقدين الماضيين وتوقفوا تماما من التعامل المباشر مع حكومات الدول الفقيرة واصبحت المنظمات غير الحكومة تلعب دور القائم بالأعمال نيابة عن حكوماتهم. وإنه لذلك السبب اؤتمنت دبلوماسية هذه الدول الى اطفال فى شكل الهيبيز فى العشرون من اعمارهم والذين تراهم  مثل السحالي الكسولة ممددون فى صالونات الهوتيلات الفخمة فى عواصم الدول الفقيرة. وهولاء يختلفون عن اعضاء المنظمات غير الحكومية التقليدية والذين نشاهد صورهم  فى التلفاز وهم يحملون اطفال مرضى ويساعدون الضعفاء ويخاطرون بحياتهم  فى مناطق الصراع والحروب ويعيشون فى معسكرات قذرة بين اللاجئين. وهذا هو حال المنظمات غير الحكومية فى الدول الفقيرة مزيج من عمال الخير الشفوقين الذين يستحقون الإحترام والإعجاب من جهة ، وفى الجهة الأخرى اشخاص اخرون كل همهم هو الكسب والتقدم الذاتي فى وظائفهم ينظرون الى الناس بإذدراء وإحتقار ويتصرفون مثل الممثل السامي الإنجليزي فى عهد الإستعماروايام المهراجا. وفى هذا الوضع اصبح صوت باولوس لبعض المنظمات غير الحكومية الأغنية الوحيدة التى يستمعون إليها بإستمرار بدون ملل. ان الديبلوماسية التى تدار بهذا الشكل هى دبلوماسية التحقير فى اقل تقدير لأن كل من تمكن ان الحصول على بضعة مئاة الألاف من الدولارات يحاول فرض ارأه على الأخرين فى كيفية تسير امورهم الداخلية مثلا مثل منظمات تحلل إعتمادات فنلندية وتحرم إعتمادات إثيوبية. ان السياسة الخارجية (وممارسات التعريس) لا يجب ان تُعطي لأصحاب الأحزاب والمناصرين ، وأأمل ان يكون الغرب وبالذات الأوروبين اذكى بكثير من ذلك ولا يجب عليهم ان يستمعوا الى الأبد الى نفس الأغنية القديمة.  

نجدت لندن

من الشعارات  المتكررة والمملة التي نسمعها كمبرر وعذر لعقد “نجدت لندن” هو الشعار الذي يقول “علينا ان نتجاوز ازمة بادمي ونبني السلام مع إثيوبيا” ، ولو سمع جدي رحمه الله هذا الكلام كان سيقول “ارفع صوتك ياولدي إننى لا أسمع ما تقول”.

ان جدي بالرغم من تقدمه فى العمر لم يفقد سمعه حتى توفاه الله بسلام ، ولكنه كان يتظاهر بضعف فى حاسة السمع إذا سمع كلاما لا يعجبه وكان يجبرنا ان نكرر له ما نقول بأعلى صوت مرات ومرات حتى كنا نسأم ونترك الأمر ، ولكننى سوف لا أدعي هنا إنني مثل جدي إعاني من ضعف فى السمع.

لفترة كنتُ اعتقد ان خطب باولوس العصماء ضد الوياني كانت خطب صادقة ولكن اتضح لى فى ما بعد من إنه كان فقط ضد اي تجمع لا يسيطر عليه هو ، لأن مشكلته لم تكن مع إثيوبيا ولكن مع الذين يوجهون و يسيطرون على القرار بما يخص العلاقات مع إثيوبيا ، ولذلك السبب إنه لم يوافق على الدور القيادي للتحالف الديمقراطي الإرتري ، وحاول مع أخرين بعمل كل ما فى وسعه لإجهاد اي عمل يقوم به التحالف الديمقراطي الإرتري او ينوي القيام به ، وببحث بسيط سوف يتضح للكل من ان هناك الكثير المخفي بما يخص هذا المؤتمر مما هو ظاهر للعين والأيام كفيلة باظهار ما خفى فى القريب.  

الكثيرين لا يعرفون تحزب باولوس لأنه اخفى من الجمهور تحزبه بمهارة فائقة  وهو يُسيِّر الأمور من وراء الحجاب وبالفعل إنه تمكن من عمل ذلك لأنه يملك من الوسائل ما يمكنه من فعل ذلك ، و يبدو ان من العوامل المساعدة له ان الذين يمولون نشاطاته يعتبرونه اكبر شخص غير حزبي (وهذه هي الكارثة بعينها لو انهم يعرفون تحزبه واستمروا فى تمويله) ، ولكن ان ما حدث ولا زال يحدث فى العقد الماضي هو امر موسف للكثيرون من الإرترين الذين يتابعون الأحداث السياسية فى إرتريا والذين إستثمروا حياتهم واموالهم وصحتهم فى الكفاح ضد طغيان الهقدف وإنهم سوف لن يلوذوا بالصمت ويتفرجو من بعيد وهم يرون سياسات الهيمنة وهى تلعب على الساحة.

تكتيكات المماطلة

مدت عشرون عاما منذ إستقلال إرتريا وحوالي عشرة أعوام منذ ان رجحت كفة الميزان ضد الهقدف ، وكلنا مررنا بمشاعر متقلبة عارمة فى فترة التسعينيات ، وان الإعتقال الجماعي لنصف قيادة الهقدف واغلاق الصحافة الوليدة كانت احد العوامل التي رجحت كفة الميزان ضد الهقدف وفجأة انتهت القفوة وإستيقظ اصحاب السكرة والنشوة الى واقع ملموس جديد. ولقد مضت سنوات كثيرة وكثيرة منذ شكل الإرترين مظلة تضم المعارضة وفصائل المقاومة ولكن فى وقت وصلنا فيه الى نقطة اللاعودة للأسف الشديد لم نتمكن من الإنتفاع من المزايا المجدية التى اوجدها التطورلأن جموع الشتات فقدت الرؤية الواضحة ، ومما ذاد الطين بلة ان افراد ممكنين اطلقوا اعمالهم المشكوك فيها فى ذات الوقت وذادوا فى البلبلة وضبابية الرؤية.

شرح لى احد الأصدقاء ان المماطلة تكتيك فعال تستخدمه منظمات المخابرات والتجسس والمنطق وراء ذلك هو “اذا لم يكن فى مقدورك التغلب عليهم إذن أنضم اليهم وماطلهم فى العمل”. لقد كان هذ التكتيك موجوداً فى اللعبة لمدة طويلة مما لا يجعله صعبا للتعرف عليه. ان مماطلة النضال ظهرت فى صنوف واشكال شتى واعاقت عملية التقدم نحو عمل فعال لوضع حد للكابوس الإرتري ولكن الأن لقد حان الوقت لوقف هذه اللعبة.

وعندما تفكر فى الأمر تجد ان باولوس مثلا هو نتيجة النظام التعليمي الإثيوبي ويمكن ان يتخيل المرء إنه اي باولوس مدين لـ “إنـَّاتْ أقـَرْ” او “الوطن الأم”. وعلى العكس من ذلك هناك الكثيرون ، وانا واحد منهم ، من الذين لا يعرفون من إثيوبيا غير البؤس الذي إستمرا لعدة قرون ومع ذلك نحن لا نعمي ابصارنا بالسياسات الحزبية الضيقة لنغذي الوقود لمشاعر الغضب لمظالم مضت. نحن على وفاق مع تأريخنا ونحن على إستعداد للمضي قدماً. مثلاً ان باولوس لا يحمل ولو العشر من تظلماتي تجاه إثيوبيا ، وان تظلمه ربما يكون جزء من صراع السلطة المتمركز حول ازمة بادمي اما تظلماتي ممتدة لعدة قرون وقد عانيت منها شخصياً ، ولكن لا اظن ان عليَّ ان أؤلف ” ميثاق السلام” للصلح مع الإثيوبين لأننى متصالح فى الطبيعة وان ما حصل فى الماضي ينتمي لكتب التأريخ وعالم الفكر وان الإنسان العادي ليس مسؤولاً عما حصل فى الماضي. وإذن ما هي المشكلة ؟ البعض قد يقول إنها السياسة ولكنني اقول إنها السياسات الحزبية وليس السياسة فقط.

اتذكر حروي تدلا بايرو هنا لمقولة ذكية يقول فيها “كثيرون من الناس يزعمون ان السياسة لعبة قذرة ، إنهم مخطئين لأن السياسة غير منحازة وإنها تصبح قذرة عندما تمسها الأيادي القذرة.” 

ان الواحد ربما يحتاج الى اكثر من حبات الملح لتقبل مقولة حروي ولكن لها صدي صحيح. ان العذر الذي يُقدم من ان السياسة لعبة قذرة لا يوفر الشرح المطلوب لأنه عند ذلك يصبح رخصة لتفادي القضايا وحبك المؤامرات وتعطيل التقدم. بالطبع اذا اقررنا ان السياسة بالفعل قذرة لا يتوجب علينا ان نتذمر وعلينا ان نتقبل بصمت كل ما يضر بالنضال. لا اظن ان من الحكمة ان نتقبل مثل ذلك العذر وان نتفرج من الجانب عندما تمارس السياسات الحزبية بلا هوادة بإسم القيم العليا مثل السلام.

فى النهاية دعوني اكشف من إنني كنت قد اغريت ان ارد على مقال باولوس عندما كتب مقاله الذي حاول فيه تبرير سفره الى أديس ابابا ولكن إخترت ان لا ارد لأنني كنت اتوقع منه على الأقل ان يعتذر لكل اولئك الذين كانوا من  ضحاياه ، وكنت اتوقعه ان يشرح افعاله وقيامه بالحملات على مدي السنين ولكنه لم يفعل اي من ذلك. ربما إستقبلوه وفرشوا  له السجادة  الحمراء (وربما كانت بنية اللون) عندما اكل وشرب مع مسؤولين الوياني الكبار. فى الحقيقة كنت سيعد لأنه “اكتشف مجدداّ الطريق الى أديس أبابا” ، من جهة ان ذلك كان تطور إيجابي ، ومباشرة بعد ما اعلن شرعية السفر الى إثيوبيا تبعه أصدقائه الواحد تلو الأخر. كنت بالفعل سيعداً وظننت إنه ربما سوف يتوقف من مواعظه ويشعر بشيئ من التواضع ، ولكنه لم يفعل اي من ذلك. بالعكس قام بفرك الجروح القديمة بالملح الرخيص والقاء المواعظ عن السلام بين إرتريا وإثيوبيا.

تنبيه

اعرف ان هناك القليلون من الناس الذين اعرفهم ممن لهم صلة “بنجدت لندن” ولكن لأن مشاركتهم هي هامشية وليس لهم اي مسؤولية لمسلسل الأخفاقات التى مرا من خلالها تجمع المعارضة كنت اود لو انهم لم يقعوا فى شرك هذا الأمر. إنني لا أتهمهم باي شيء سواء سذاجتهم ولكننى اود ان اقترح بكل صدق للقائمين الحقيقين بالمشروع بالقيام ببعض من الخطوات المناسبة وهو ان يكونوا صادقين مع أنفسهم. كل ما عليكم فعله هو ان تعلنوا عن تراجعكم من مواقفكم الماضية (وإستغفاركم إذا كنتم سخين) وانتم واقفون امام المرآة. عليكم ان تعتذروا (إذا كنتم سخين) للجماهير التي ضحيتموها وابتززتموها لسنين لغير اي سبب سواء إنهم سافروا الى إثيوبيا ، وإنه اصبح الأن من الواضح إنه أنتم الذين عليكم “تجاوز بادمي” وليس الناس الذين تحاولون اغرأهم لحضور “النجدت” عديمة المعنى. عليكم ان تتصالحوا مع أنفسكم وان تعترفوا بخطأكم فى السنوات العشرة الماضية. عليكم الإعتراف بأنكم واقعون فى شرك السياسات الحزبية ، وبعدها عليكم ان تتخلوا عن الفكرة المضللة المنادية “بالسلام مع إثيوبيا” لأنه ليس هناك أي عداء بين الإرترين والأثيوبين على الإطلاق. هل تطالبون بالبرهان على ذلك ؟ ان الإرترين والإثيوبين على الحدود لا زالوا يتزاوجون فيما بينهم ويدفنون موتاهم معا ويتعبدون فى نفس الكنائس .. وانتم لا تتكلمون لغتهم البسيطة ، ولماذا تحاولون ان تزيلوا عداء لا وجود له أصلاً إلاَّ فى ذهنكم؟ نرجوكم ان تتعلموا وتتعاملوا مع القضايا المهمة التي تحاول كسر قيود الإستعباد بين الإرترين. عليكم ان تتعلموا كيف تتعاملوا مع القاضايا الحقيقة التي تؤاثر على جميع الإرترين بدل التوهان بين الحين والأخر فى الأمور التافه . اولا ً نقوا ونظفوا بيوتكم قبل  البحث والشم عن مشاكل لا وجود لها اصلا فى بيوت جيرانكم. نرجوكم ان لا تبددوا طاقة النشطاء القليلين ، ولكن إذا كان عليكم عمل ذلك نرجوكم ان تجمعوا قوة  جديدة من المؤايدين  للنضال وان تضخوا دماء جديدة الى الكفاح ، لأنكم تملكوا المال والوسائل وبذلك نعني المنظمات غير الحكومية.

negarit@awate.com

About Awate Team

The PENCIL is awate.com's editorial and it reflects the combined opinions of the Awate Team and not the individual opinion of team members.

Check Also

نم يا موسى قرير العين لا تقلـق

يا بطل, مثلك لا يموت أبداً بل أنت حيٌّ يرزق فمثلك  يا موسى لا يدفن …