Saturday , September 22 2018
Home / عربي / الوَعىُ المثقوب

الوَعىُ المثقوب

” تيدروس”صديق قديم، طويل القامة، بدين، أسود الوجه، مطيع للأوامر، كان يعمل فى شركة سياحية، وربما طبيعة عمله السياحى تفرض عليه الأعتناء بمظهره،وبهندامه… حتى غدت العناية بمظهره عادة تلازمه، فتجده يرتدى ملابس أنيقة ومتناسقة الألوان، ويبالغ فى أناقته دائماً، فيتقلد سلسلة ذهبية تتدلى منها خريطة ارتريا على صدره المكشوف،وهى لاتتناسب مع عمره المتقدم نسبيا، وتجعله يبدو متصابيا..، وكان”تيدروس”يحرص فى المناسبات العامه ارتداء الملابس التقليدية البيضاء، ولاينس فى غمرة الافراح وتزاحم المشغوليات الكثيرة أن يعتمر القبعة السوداء، و”يوشوش” بـ “طيراه” يطارد الذباب من وجهه..، وكانت تشبه هيأته فى مثل هذه المناسبات “قسا” متدينا ينقصه الصليب..،

 

    عرفته منذ اكثر من خمسة وعشرون عاما، وتوثقت معرفتنا فى ميادين العمل الوطنى العام، وتوطدت رفقتنا فى النشاط الوطنى المحموم؛ وياما أشتركنا بحماس شديد فى انشطة لجان التحدى؛نطوف الأحياء، ونطرق أبواب المنازل، ونحث الناس فى كل مكان على دعم المقاومة الوطنية بالمال، وندعوهم النصرة بالرأى الوطنى المتضامن..، وكثيرا ما حضرنا الاجتماعات السياسية الحاشدة فى أوقات شديدة الحرج كانت تواجه فيها ثورتنا المسلحة مخاطر الابادة العسكرية..، وفى أوقات كثيرة جدا تجادلنا فى حلقات التثقيف السياسيى المكثف الذى أعدت مادته التثقيفية خصيصا لرفع الوعى السياسيى والثقافى للاعضاء. ولتقريب وجهات نظرهم حول المفاهيم السياسية والفكرية كقيم الحرية والديمقراطية.. والعدالة الاجتماعية، ولتوحيد مواقفهم حول القضايا الوطنية كافة. ورفع الوعى السياسى وتعميقه فى أذهان الناس كان هدفا يتقدم كل الاهداف، والتحلى به كان فى أعتقادنا شرطاَ حاسما لانتصارنا.

 

و”تيدروس”كان فى الندوات السياسية، وفى حلقات التثقيف السياسى مقلا فى الكلام، وبطبعه مطيعا للأوامر، ولايعرف فى قاموسه العصيان من أى نوع كان،  ولم أراه يوما وضع كفه فوق سبّابته للاعتراض على مفهوم جديد يُراد أن يُلقن به، أو موقف لم يألفه من قبل يُراد منه اتخاذه، ولم أسمع منه كلمة احتجاج أو رفض طوال فترة معرفتى به؛ فتجده دائما ينخرط بصمت فى العمل وبنشاط ينم عن وعى عميق بأهمية العمل المباشر لجمع المال، وهو ينصاع لأوامر تصرف اليه حتى لو كانت تصدر من امرأة بسيطة تشرف على فريق مناوب من النساء؛ لاعداد الوجبات الغذائية التى يعود ريعها لدعم المجهود الحربى، فاذا طلب منه احضار العجين مثلا لعمل الكسر

 

– الانجيرا- فلا يتحرج أن يحمل السطل-الجردل- بكل رضى، ويهرع الى الخباز ليملأ سطله عجينا حتى يطفح، ويضعه على كتفه ولايتضايق من فائضه السايل على ملابسه الانيقة..، ولايتذمر من ساقطه الذى يلطخ قلادته الذهبية المتدلية على صدره المكشوف..، وربما ينبع عدم تضايقه أو تذمره من “بهدلته ” بالعجين الساقط أو الفائض منه لايمانه بأن المعركة الدائرة يتساوى عندها الملطخ بالدماء فى الخنادق وبين الملطخ بالعجين أو الدهون فى المطابخ لجمع المال..،

 

    ظل “تيدروس” على نهجه يمارس نشاطه بكل همة وحماس الى أخر أيام حرب الحدود المشؤومة،فكنت أجده منخرطا فى لجان الدعم المالى لمجهود الحرب كعادته..،وبعد فترة من الزمن غاب عن الانظار ولم أعد اراه، وظننت أنه ملّ حياة الغربة وصفى أموره وعاد الى وطنه. وفى عام 2005 قابلته بالصدفه خارجا من سوق مركزى يحمل كيسا به بعض المواد الاستهلاكية؛ فتبادلنا التحية بشد الايدى وبتدافع الاكتاف على طريقة تحية مقاتلى الجبهة الشعبية..،وسألته عن حاله..،وعن أحوال اسرته..، وعن غيبته..، وأخبرته بظنونى عودته النهائية الى الوطن..، وهو بدوره كان يسألنى نفس الاسئلة تقريبا، ولم يكن يستمع أحدنا الى الأخر بتركيز ليرد على أسئلة صاحبه، إذ كان كل منا يلقى مابذهنه على زميله بشكل مرتبك وتلقائى..، فدعوته الى فنجان قهوة،وشبكت يدى بيده،وجذبته ناحية المقهى القريب،فاستجاب لدعوتى، وذهبنا سويّا، وأحاديث الذكريات بيننا تسيل فى مجرى العواطف باندفاع وتلقائيه..، وجلسنا فى المقهى متقابلين، وبدأت نفوسنا تهدأ قليلا. وأسئلتنا تتركز أكثر من ذى قبل، وعاد كل منا يميل الى الاستماع لما يقوله صاحبه،وعلى الفور قدم لنا النادل فنجانى قهوة تركية حسب الطلب، وكأسى ماء بارد..، وشكرناه على خدمته السريعة ..، وبادرت صاحبى باعادة أسئلتى الأولى :” أهلا..،كيف حالك يا”تيدروس”..، وكيف أحوال أسرتك الكريمة ..، ظننت أنك قد صفيت أمورك من هنا..،وحزمت أمرك بالعودة النهائية الى الوطن ..،وكنت اقول فى نفسى خيرا فَعل “تيدروس”بعودته النهائيه الى وطنه..، وحسننا يكون لنا مضيفا فى البلد عندما نقرر العودة النهائيه،ومُعينا يساعدنا فى تدبير أمورنا،وتأسيس حياتنا الجديدة فى وطننا الذى طالت غربتنا عنه كثيرا..، وقد سألت عنك اكثر من “رفيق”،ولم أجد واحدا ممن سألته يعرف بالضبط عن وجهتك،غير أنى علمت أنك قدسافرت الى البلد، ولم اتأكد  ما إذا سفرتك للعودة النهائية أم هى لزيارة أهل عادية..، فاخبرنى عن أحوالك..،وعن نواياك لعمل مفيد لمستقبلك..، وكيف وجدت أحوال الوطن العزيز المنهك بالحروب وبالصراعات ..، ووالله أشم فيك رائحة ترابنا المبلل بمطر العصريات..، وقل لى مَن قابلت من رفاقنا القُدامى ..، وكيف وجدت أحوال الناس المعيشية هناك..، وبصوت هامس يكاد يصل الى أسماعه تعمدت أن أدس اليه  سؤالا محظورا :” هل تعّرفت عن قرب على حقيقة ما جرى بين رفاق الأمس من قادتنا الكبار..،وفى رأيك هل يجوز أن ينقضّ رفيق على رفاق عمره فى النضال،ويزج بهم فى السجون السرية بدون مصوغ أخلاقى أو سند قانونى معتبر..،بصدق.. ماذا سمعت .. وماذا رأيت ..،قل لى الحقيقة كلها؛ حقيقة ماجرى من تعصف وسجون بالجملة..صارحنى..؟!”.

 

    ألقيت عليه أسئلتى بتدافع شديد، وبدون ترتيب مسبق، وكنت فى عجلة من أمرى لاسمع إجابته ، فمددت يدى الى فنجانى وأرتشفت منه رشفة واحدة ، ونظرى كله مركز اليه، وقد سبقنى برشفة من فنجانه، وأنا لاحقه باسئلتى المتدافعة، وقد لاحظت فى ملامح وجهه تغيرا ملحوظا،وأدركت أن السؤال الأخير أستفزه قليلا،وحاول ضبط أعصابه ليوارى ربكته الظاهرة، فوضع فنجانه فى طرف الصحن بهدوءانكشف أصطناعه بانقلاب الفنجان، وتدفق بقايا القهوة منه، وتجاهل ربكته من السؤال المخيف الذى يقلق بال الناس، ويثيرفيهم الخوف من مستقبل يرونا بدايته المأساوية، ولم ينتظر طويلا، فنظرالىّ بعينيه الجاحظتين وبدأ يجيبنى:” اخى حامد .. كيف حالك..وكيف أحوال أسرتك..، ولاتؤاخذنى ..قد خلطت الأمور بعضها ببعض؛خلطت العام بالخاص،وحيرتنى من أين أبدأ..، أأبدأ بالشؤون الوطنية العامة التى كانت محور اهتمامنا فى السنوات الماضية وشاغلنا الأول من شواغل حياتنا اليومية..، أم أبدأ بشؤونى الخاصة والتى أهملتها كثيرا على حساب القضية العامة..،وطالما بدأت أسئلتك عنى وعن أحوال اسرتى،فدعنا نبارك أن تكون بداية الاجابة بها..،وعلى بركة الله نبدأ..؟

 

    نعم.. غبت عن الانظار قليلا، وقد سافرت سفرا أضطراريا والحاصل – تعيش أنت –قد توفى والدى بعد معاناة بمرض عضال،فسافرت لألقى عليه نظرة الوداع الأخيرة، وسبقنى الحق وتوفى والدى بيومين من وصولى إليه..،والموت حق، وكلنا نقف فى طابور طويل ننتظر دورنا حتى ينزل الملاك من عليائه ويؤخذناعنوة من وسط من نحبهم ويحبون ولا رَادّ لقضاء الله وقدره..،ووالدى عاش على دين أجداده،ومضى الى مثواه الاخير يلقى خالقه مؤمنا، وهو على مذهبه الارتودوكسى الصحيح الذى ورثه ابا عن جد..،ما يحز فى نفسى ويؤلمنى – ياحامد – هوحال بنتى الوحيدة “سنايت” فقد لعب شيطان الأنس بعقلها،وزين لها الابليس الكفر والضلال،فحادت عن طريق الرب المستقيم،وأرتدت عن دينه القويم، دين أجدادها ومذهبهم الارتودوكسى السليم، وكفرت بكل ماجاء على الكتاب المقدس – الأنجيل-، وأعتنقت دينا جديدا لانعرفه، ولم نسمع به قط يسمونه”جهوبا” وتعاليمه غريبة عن مجتمعنا تماما، ومن غرابته أنه يفرض على اتباعه عصيان قوانين الدولة المدنية بما فى ذلك مرسوم الخدمة الوطنية الالزاميه،وهى رفضت أداء الخدمة الوطنية،استجابة لتعاليم دينها الجديد، فزُج بها فى السجن منذ أكثر من سنتين، ونحن لا نعرف عنها شيئا أبدا..، وأنتم المسلمون أخيار ونزهاء ودعواتكم عند الله مستجابة، فادعو لها ياحامد بالتوبة والغفران. وبالرجوع الى دين أبائها الاولين.

 

    أما ابنى “ملقيتا” لم يوفق فى الدراسة، وكنت قد دبرت له مبلغا من المال، وكلمت عمته بامريكا لتدبر له أموره ليكمل دراسته الجامعية هناك..،وقبل أن يغادر البلد الى أمريكا قد صدر قرار منع السفر قبل أداء الخدمة الوطنية،فاضطررنا تأجيل ابتعاثه حتى يكمل خدمته فى “ساوا”.وقد طالت مدة خدمته إذ تجاوزت خمسة سنوات وبضعة أشهر، ومن شهرين سمع بمرض جده الذى رباه فى غيابى الطويل، وتعلق به، فطلب اجازة اضطرارية ليعين جده المريض ورُفض طلبه مرات عدة من مسؤوله المباشر، وبواسطه من نافذ كبير قدم طلبه الى قائده الأعلى رتبة، فوافق له بخمسة واربعين يوما، وبسرعة البرق وصل الدار فوجد جده محتضرا وفى حالة ميؤوسة، وكانت أمه هى الأخرى تعانى من داء السكر ومن ارتفاع ضغط الدم..، فاتصل بى ودعانى بضرورة أن أُعجل بالحضور، وأخبرنى بحالة والدى الخطرة، وبأحوال أمه الحرج.واثر عودتى مباشره أمرته ليعود الى عمله فورا،فصعب عليه الأمر،ولم يتقبله فى البداية،فاقنعته بان لا حاجة لبقائه معى فى البيت، وأنا كفيل برعاية والدته،واستقبال المعزين،وتأخيره أكثر من اسبوع قد يسبب له ضررا وأذى نحن فى غنى عنه..،فوافق بالسفر الخميس الى “بارنتو”موقع عمله،وحزم حقيبته الجديدة، وودعنا وكان الوقت ليلا،وقد امتلأ البص الوحيد المتجه الى “بارنتو”بالركاب، فعاد الينا فى الصباح،واشتكى لنا من الزحام الشديد فى المواصلات،وعاود محاولة السفر أسبوعا كاملا، وفى كل مرة لم يحالفه الحظ بالحصول على كرسى يقله الى موقع عمله، وفى يوم الخميس التالى من محاولته الأولى ذهب الى محطة الباصات بعد مغيب الشمس بقليل،وظل مرابطا هناك حتى طلوع الفجر،وحجزمكانه فيه..”.

 

    أستغرقت رحلة “ملقيتا”الى “بارنتو”سبعة ساعات، وقبل أن يصل الى معسكره القريب من المدينة أستوقفت وحدة الامن البص، وصعدت اليه مجندة عبوس يتطاير من وجهها الشرر، وطلبت من الركاب ابراز هوياتهم أو اذونات تصاريحهم، وكانت تمر بين الركاب ،وتدقق فى هوياتهم أوأذونات تصاريحهم الى أن وصلت الى “ملقيتا”فأخذت منه أذن تصريحه، ودققت على تأريخ أنتهائه فأكتشفت أنه مضى عليه أسبوعان، فنهرته أمام الناس :” ياابن المرأة..،أين كنت كل هذا الوقت الطويل ..، أكنت تتصكع فى شوارع اسمرا ياروح امه ..، أنزل بسرعة عندى لك هدية مرسلة لك من أمك يافداها..،” فدفعته بقوة نحو الباب، فاستفزه تصرفها المسئ،وخشونتها البالغة معه ، فالتفت اليها محتجا :”لماذا تسئين الى أمى..، أصل أنا تأخرت قليلا بسبب وفاة جدى ..،” قاطعته :”جدك واللا أمك ..، أنزل ياشفاء أمه..،” ودفعته بقوه شديده ..ونادت زملائها لمساعدتها عليه ..،فمانعها قليلا ..،فلم تنتظر وصول الفرقة الجاهزة لاعانتها عليه ..،فعاجلته بعصاها المجنزرة، فشجت شفته العليا وأطاحت له سنتيه الاماميتين، فسقط مغشيا عليه، وتحلقت عليه وحدة الامن وأشبعوه ضربا وركلا، فكسروا له فكه الايسر، وقطموا شحمة أذنه..، وتركوه يتمرق فى أوحال دمه يوما كاملا فى غيبوبة كاملة!؟.

 

    وفى ليلة الخميس ذاتها، وفى الثلث الاخير من الليل داهمتنا وحدة “كمندوس ” مدربة على الأقتحام ، فخلعت باب شقتنا، ونحن نقط فى نوم عميق، ونزعوا عنا رداءنا الليلى – قابينا- وعروا أجسادنا الى مافوق صرتينا؛لان غطاءنا كان مشكوكا بعناية فى أطراف سريرنا، ولحسن حظنا  كان رأسان ناحية الباب، فالغطاء المشكوك بعناية لم يطاوعهم لكشف عوراتنا بالكامل..، وياللهول.. لم نصدق مانرى ونسمع، ومنّيت نفسى أن يكون ما يحدث لنا كابوسا مزعجا فى المنام..، وأطلقت زوجتى صرخة مدوية، واهتزت مذعورة بعنف شديد .. وبحركة لا إراديه أنقلبت على بطنها لتوارى صدرها المكشوف، واستمرت فى الصراخ والرجفان … ورفعت رأسى مذهولا بما يحدث لنا، فوجدت فوق رأسى فتاة غاضبة تصوب مسدسها فى جبهتى بين حاجبىّ..، وتلوح بعصاها لشق رأسى ..، وتهددنى بالقتل ..، وتخاطبنى بكلام مسئ :”أين كنت يالقيط ..، هل كنت تعتقد الافلات من بين أيدينا ..،قم ياجبان..”،وتشير بعصاها الى زوجتى وتسألنى:” ماهذه الدجاجة المفرفرة تحت ابطك ياتعيس..،” وأنا فى حالة من الخوف والفزع أتوسل اليها :” أنا “تيدروس” أبو “ملقيتا”وهو قد عاد الى عمله اليوم فى الصباح ..، حرام عليكم .. ماذنبنا لتعاملونا بهذا الشكل المخيف والمهين ..، أنا عضو مخلص للشعبية .. والشاهد أنا خلقت خادما مطيعا لكم..، أنا لست معارضا وحتى لا أهمس لنفسى بالاعتراض على أى شئ ..صدقونى؟!” تأكد زميل الفتاة الغاضبة من هويتى ..، فطلب منها الكف عن أذيتى ..، وأومأ لها بالانصراف ..، ولمحت فى العتمة خارج المنزل شخصين أخرين ينتظرانهما، فتهامسوا الاربعة ثم أطلقوا العنان لاطارات سيارتهم..، ولما أطمأنيت على أنصرافهم عنا كليا قفزت بالجهة الأخرى من السرير وتحسست رأس زوجتى، ولمست بللا لزجا يلطخ وجهها، ويغطى عينيها، فمسحت عنها السائل اللزج وبدات اناديها بصوت مسموع :” هويت.. هويت ..” ولم تجبنى لا بصوت أو بالاماء.. اذ كانت فى غيبوبة كاملة ..،فقلبتها على ظهرها، وسحبت الغطاء المنزوع الى صدرها العارى ..، وأملت رأسى الى صدرها من الجانب الايسر أسترق سمع نبض قلبها المنهك، فشعرت بنبض ضعيف أعاد الىّ بعضا من أملى المفقود…، وبسرعة فائقة أرتديت ملابسى، وخرجت مستعجلا أطلب من الجيران المساعدة لاسعافها، وانقاذ روحها، فطرقت أبواب جيراننا من اليمين ومن اليسار ثم هرعت عابرا الطريق الى جيراننا بالجهة المقابلة من الطريق، فطرقت ابواب منازلهم واحدا واحدا ولم يستجب لاستغاثتى وأحدا من جيراننا العشرة ..،وحتى لم يسألنى أحد منهم :” من طارق الباب ..؟!”

 

    عدت الى بيتى أجرأذيال الخيبة..، وبينما أسير فى الطريق وأهم كيف أتصرف لانقاذ روح زوجتى .. سمعت صوت أذان الفجر، ورنين أجراس الكنائس، فتأكدت ان الليل قد أنجلى، ولاحت تباشير الصباح تبدد الظلام، وقادنى تفكيرى الى الاتصال بأخت زوجتى، وأخبرها بما حصل لنا الليلة..، وأطلب مساعدتها لانقاذ حياة أختها المهددة بالفناء، فاتصلت على هاتفها النقال فلم ترد علىّ.. وأعدت المحاولة مرات..، وسحبت حالى الى منزلها القريب منا لأخبرها بحالة شقيقتها الخطرة..، فطرقت بابهم وأستقبلنى زوجها، ورحب بى بفتور واضح، وسألنى بخبث عن سبب قدومى اليهم فى هذا الوقت المبكر من الصباح، ونادى زوجته :”قدستى..قدستى..” تيدروس” عندى هنا..” وبعد فترة من الزمن أطلت “قدستى” برأسها من خلف الباب الداخلى ..فحيتنى بفتور أشد وضوحا، ولم تسألنى عن سبب قدومى.. وبدون مقدمات شرعت تسرد قصة ماجرى لابنى “ملقيتا” فى عصر يوم الخميس الفائت فى نقطة تفتيش فى “بارنتو” ، فقد أتصل بها أبنها من هناك وأخبرها تفاصيل ماجرى لـ “ملقيتا” وهى عاتبتنا عتابا  شامتا وحملتنا كامل مسؤولية ماجرى لأبننا وبرأت وحدة الأمن من دمه المسفوح :”الولد غلطان.. “ملقيتا “غلطان ثم غلطان.. ماكان له الحق التأخر لأسبوعين.. والتقصير فى أداء الواجب جريمة يُعاقب عليها المقصر أشد العقاب ..، وأمن الوطن ليس لعبة أطفال .. وأنتم بصراحة جاملتموه فى تقصيره بغيابه الطويل ..، ورجال الأمن عيونهم مفتحه لحماية البلد من شر الأعداء ..،واذا لم يتصرفوا بمثل ما تصرفوا مع ” ملقيتا ” وأمثاله، فان الوطن يفلت من بين أصابعنا ..ويفرط عقد أمنه الذى نحميه بحدقات عيوننا..”. كانت تريد أن تسترسل خطبتها العصماء، فاستوقفتها عن الكلام..، وقد نزل علىّ الخبر المفزع كالصاعقة، وكاد أن يغمى علىّ، فتمالكت أعصابى المنهارة ، وهدات من روعى، وبتلعثم وارتباك أخبرتها ماجرى لنا البارحة، وأن أختها مسجية فى السرير تغالب الموت، ورجوتها أن تساعدنى لانقاذ حياة شقيقتها، فأفزعها الحدث الاليم قليلا، وبشئ من التردد والهلع قالت لى : ” اسرع.. أسبقنى .. سوف الحق بك حالا .. “.

 

    انتظرتها ثلاث ساعات، ولم تلحق بى ..، ولم تتصل للاعتذار، أوللاطمئنان على حال شقيقتها الممددة بلا وعى..، فحملت زوجتى وحدى ودون معين من قريب أو من بعيد،وذهبت بها الى الطبيب، فاجروا لها فحوصات عاجلة وشاملة، وبعد أربع ساعات من الاجراءات الطبية أخبرنى الطبيب المعالج بتعرضها الى صدمة عنيفة أدت الى اصابتها بجلطة حادة، فاصيبت بشلل تام لا أمل من شفائه..، وأعطانى وصفة طبية، وأخبرنى أن بعض الأدوية الضرورية بالوصفة غير متوفرة فى الصيدليات المحلية، وابلغنى بضرورة الاستعجال لاحضارها من الخارج بأى وسيلة؛ عن طريق الأقارب أو المعارف..، وحذرنى من خطورة تأخر الحصول عليها..، وأرشدنى أن أعمل لها بعض المساجات …، وطلبت منه استبقاءها بالمستشفى والاعتناء بها عندهم …، وشرحت له ظروفى الاجتماعية الصعبة وبينت له ما ينطوى من مخاطر على حياة زوجتى بعيدا عن الرعاية الطبية المباشرة..، ولم يقتنع بحججى، ولم يستجب لتواسلاتى..، وسلمونى زوجتى مشلولة بالكامل وأمرونى بالانصراف ..، وحملتها بيدى وعدت الى بيتى أزرف دموع الاحزان المرة…،

 

    وبعد مغيب الشمس بقليل أعدت لزوجتى وجبة العشاء،فاسندت ظهرهاعلى صدرى وأخذت أطعمها قطرات قليلة من صحن شوربة الشعير بمعلقة سكر صغيرة..، وأنا أهم لأنقعها بعض جرعات الدواء سمعت أرتطام صوت لشئ أُسقط من علو منخفض،وأعقبه ” قحصة ” سيارة مسرعة، وشممت رائحة اطارمحترق، فمددت زوجتى فى السرير على ظهرها..، وأخذت أطلُ برأسى من النافذة أريد أن أتبين مصدر الصوت، ورأيت جسما بحجم جوال الذرة تتحرك أطرافه، فاقتربت منه، وإذا بأبنى ” ملقيتا ” ملقى على الرصيف، ويداه مكبلتان ومشبوكتان الى أعلى من رأسه، ونعليه موثقتان بيديه ومثبتتان فوق هامته، وهو يهزى بكلام غير مفهوم يخلط البكاء بقهقهات هستيرية مؤسفه..، فهجمت عليه، وعدلت جلسته، وبدأت أفك وثاقه ثم حاولت استنهاضه ليقف على رجليه، ولم يقو على الوقوف، وحملته حملا كما يحمل الطفل الصغيربين يدى أبيه أو أمه..، وكانت تفوح منه رائحة دماء كريهة، وقد شحب وجهه وتشوه..،وخف وزنه كثيرا، وبدى هزيلا وكأنه أمضى فى فراش مرض خطير سنوات طويلة.. لقد صعب علىّ الأمر، وضاقت علىّ الدنيا على وسعها ، وأصبح وضعى صعبا ليس بمقدور انسان طبيعى تحمله، ففكرت مليّا فى كيف أعيل أسرتى المحطمة؛ زوجة مشلوله بالكامل ” أنقعها ” قطرات ماء وجرعات الدواء فى مواعيد محددة، وهى باتت أشبه بكوم لحم بشرى ساكن فى مكان ثابت، أقلبها على جوابنها فى السرير، وأحملها بكلتا يَدىّ، وأجلسها على حوض فى بيت الأدب لقضاء حاجتها..، و” ملقيتا ” الشاب الطموح الذى عقدت عليه أمال الحياة، وكان قبل يوم الخميس المشؤوم شابا قويا يرفل بالحيوية والنشاط وجديرا أن يحقق أمال سعادتنا فى الحياة..، ووضعه الان يرثى له، فهو يهزى فى الشوراع، ويحوم نهاره كلها فى أزقة الاحياء يطارده الاطفال، ويهزؤون منه، ويقذفونه بالحجاره، فتارة ينكفؤ على نفسه ويبكى..، وتارة يبادلهم القذف بالحجارة، وأخشى أن يصيب حجره الطائش رأس طفل بريئ، فيردوه قتيلا..، ويبات ليله معقودا برجله على السرير، وفى الصباح أغسل وجهه كالطفل الغرير بالماء ..، و” سنايت ” المرتدة عن دين الرب،وذنبها على رقبتها، وخالقها كفيل،وقادر على انزال العقوبه بها يوم الحساب الأكبر،وهى الان تقبع فى سجن، وسجنها يزيدنا بؤساوتعاسة ..، وياللهول.. ياحامد..، هى مصيبة عظيمة أن يصبح قبر الانسان اكرم من بيته، وأن يُمسِ من فى القبور أسعد مِن الذى فوق الأرض..،فقبر أبى الذى واريناه التراب قبل ثلاث أسابيع أصبح بكل معنى أكرم من بيتنا الذى نشقى فيه بكل ألوان العذاب المهين..،هى مأساة حقيقية ياحامد..،ماذا بوسع المرء أن يفعل لمواجهة هذا التحدى الرهيب؟! أنصحنى نصيحة أخوية..لأن تفكيرى قد أنشل تماما؟! ووالله فكرت مرات أن ألجأ الى أناس كنت أعرفهم أيام زمان ويمكن أن يساعدونى أن أرادوا..، أتذكر الدكتور ” هيلى ” رئيس أطباء الشعبية فى الساحل..، والدكتور ” نرأيو” كبير الجراحين أيام النضال؟؟؟وقد سألت عنهما، وأردت أن أطلب منهما مساعدتى؛ بأنزال أبنى ” ملقيتا ” فى مصحة الامراض العقلية، وادخال زوجتى ” هويت ” الى المستشفى العمومى الى أن يقضى الله أمره..، وتصدقنى أخبرونى من سألتهم؛ هؤلاء قد أنحرفوا عن نهج الرئيس القويم، وانحازوا مع الشلة المنحرفة ..، وأنت لا تستحى من دمك، وتسألنى عنهم ..؛ هؤلاء خونة، ومارقون .. ولصوص وحرامية ..، وينبغى أن يؤخذوا بنواصيهم بلا رأفة، ويرمون الى قاع الجحيم ..، دعهم يقبعون فى جهنم..وأرتريا أجمل من دونهم ..، وثق بقوة الرئيس – أدام الله ظله – وفى نزاهته، وأخوانه الاشداء أبناء (….) يحيطون به من كل جانب، وهم سيوف الوطن البتاربحديه؛ حَدٌ لقتال الاعداء والمارقين وهزيمتهم ،وحَدٌ لتنمية الوطن وتعميره، وأنتظرهم قليلا وسوف ترى بام عينك أرتريا مزدهرة تلمع مثل السيف اليمانى المهند.. ألست معى ياحامد فى سجن الخونه وقتلهم .؟

 

    مصيبة ” تيدروس ” وعائلته هزت كيانى وتعاطفت معه باشد مايكون التعاطف الانسانى، وأبديت له أسفى الشديد على المحنة الاليمة التى ألمت به، وأعلنت له تضامنى المطلق معه،ومع أفراد عائلته المنكوبه، ودعوته أن يتحمل ألام المصيبة، ويصبر على مصائبه الفاجعة . وما المنى أكثر أن ” تيدروس ” المطواع، والذى ظل يلتزم السكوت، وينخرط فى العمل فقط، ولايبالى بالافكار الحديثة، ولايهتم بالمواقف المستجدة،وكان يسير مع الموجة الغالبة بأى اتجاه سارت ..، وقد وجدته فى جلستنا القصيرة رجلا مختلفا تماما؛ يجاهر برأيه وبمواقفه بعصبية فاضحة، وقد فقد كثيرا من وعيه، وهبط فى ولائه إلى اسفل السلم الاجتماعى، فعاد يبنى مواقفه بناء على ولائه لأبناء عمومته، وفى نظره هم فقط ” سيوف ” الوطن الامناء.., والعصبية المقيته قد أخذت الشئ الكثير من عقله، وبدى وعيه مثقوبا، ففقد قدرة التمييز بين الحقائق المتناقضة، فاختلطت عليه الأمور مما جعله لا يميز بين الجانى والضحية..،فانا الذى أحترت بماذا أرد على هزيانه؟!وأشفقت عليه حقيقه أن أعود به الى الوراء، وأذكره ما أمنا به من قيم عليا، وهى قيم الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية المقننه بسنن دستور مشرع ..وقدّرت أن العودة به الى الوراء وتذكيره ما نسى من قيم رفيعة، قد تزيده ألما على الامه المبرحة ؛ ولان الوقت قد داهمنا، ففضلت أن أكتفى : يأخى ” تيدروس ” أنا لست معك فى سجن الناس أو قتلهم لمجرد الاختلاف فى الرأى معهم ، أو لمجرد الاشتباه فى مواقفهم المختلفة عن مواقفنا، وبكل صدق وأمانه، وبشرف الشهداء أنا معك ومع ” هويت” و ” ملقيتا ” و” سنايت” واسألك بشرف الشهداء ألست انت مع هؤلاء وهم أفراد أسرتك..؟! ومن تسميهم ” خونه ” .. ولصوص .. وحرامية.. أنتم جميعا ضحايا العنف المستشرى فى بلادنا .. وأنا معكم ضد من تجنى عليكم تحت أى يافطة لتبرير استخدام العنف المجنون، وإذا أستطرقت بقايا وعيك وجمعته فى مكان صحيح ستجد أننا -أنا وأنت- وكل الضحايا ننتنظم فى فرقة أنشاد وطنية واحدة نغنى قصيدة حلمنا الأكبر؛ قصيدة الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان..،فهيا يا”تيدروس “نغنى بأعلى حناجرنا، ونرقص بكامل وعينا .. هيا الى مسرح غناء أحلامنا.. هيا.. وهيا يا ” تيدروس” هيا..نغنى:

 

أرتريا ياوطن الأحرار: ارتريا ياوطن الاحرار

Ghadam61@yahoo.com

About Awate Team

The PENCIL is awate.com's editorial and it reflects the combined opinions of the Awate Team and not the individual opinion of team members.

Check Also

عروض النمر الوردي للمعارضة الإرترية

بقلم : صالح (قاضي) جوهر أحسد كل من نشأ وهو يشاهد عروض الرسوم المتحركة – …